عمرو أبوالعطا
في البدء، لم يكن هناك سوى صوت الصمت، يتكسر ببطء فوق زجاج نافذتي القديمة حيث علقتُ ساعةً مكسورة منذ أعوام، كنت أظن أنها نسيت الزمن لكنها كانت تراقبه وهو يبحث عن معنى مفقود بين جدران الغربة .
استيقظتُ في الخامسة إلا قليلًا، أو ربما قبل ذلك، لا أعلم بالضبط، لأن الساعة ذاتها ترفض أن تتفق معي على وقت واحد منذ بدأت هذا الوباء ، لم أكن أسمع إلا صفيرًا خافتًا، يشبه حفيف الأشجار التي لم أرها منذ زمن ، شيء غريب أيقظني من فراشي، شيء لا اسم له، ربما شوق، وربما جنون مؤجل ، هربتُ من السرير كما يهرب الغريق من الماء.
المدينة نائمة، كأنها ماتت على عجل ونسيت أن ترسل إشعار الوفاة ، الوجوه التي عبرتها لم تكن وجوهًا، بل بقايا ملامح سابقة، تمشي وكأنها تخشى أن يراها أحد، كأنها لا تعرف أين تنتهي الطريق، أو متى تُستأنف الحياة. كانت الريح تنقل لي أنفاسهم، معطرة بخوف جماعي لم تصنعه حرب ولا فقر، بل جرثومة مجهرية جاءت من وراء السحب، حافية، تسعل بخبثٍ في وجه العالم.
كل شيء كان ساكنًا ، حتى القطط هجرت الأرصفة ، واختفت العصافير، التي كنت أراها تراقص الهواء فوق الأشجار، ، لم أسمع زقزقة واحدة. ظننتُ أن كل شيء توقف، وأن العالم اختبأ في صدري.
الغربة كانت دائمًا طيفًا أرافقه، أو يرافقني، لا أذكر. لكنها الآن أصبحت جسدًا كاملاً، بثقل الروح وبُعد الأرض، تحملني في حناياها، تلمس كتفي بهدوء وتهمس: “لن تعود أبدًا”.
في لحظة ما، شعرتُ أنني أملك المدينة وحدي، شارعًا شارعًا، رصيفًا رصيفًا ، شعور لا يشبه الفرح، بل أشبه بحزنٍ لا يقال، عندما يُهدى لك شيء جميل لأنه لم يعد يهم أحدا ، كنت أسير فوق إسفلت قديم، أظنه نسي ضجيج السيارات، وتعلم كيف يصغي لخطى شخص واحد.
الخامسة مساء ولم تأتِ الشمس ،حين نظرت إليها ، رأيتها منهكة ، لم تعد تتدلل على وجه الأرض كما اعتادت ، كانت تشبه موظفًا روتينيًا يوقّع على حضور الصباح ثم يختفي في أقرب غيمة. فهمت حينها أن الليل سيأتي مبكرًا، كأنه يريد أن يضع حدًا لهذه المهزلة.
وفي الليل دائما في الليل، كانت الأرواح تُنْشَب من صدري وتُلْقى في بحر الذاكرة. الليل ليس زمنًا، بل مِرآة صدئة يرى فيها المرء روحه عارية ، كل شيء يتذكرني: كرسي الوحيد في الغرفة، المصباح الذي يومض ثم يستقيم، كتاب مفتوح على صفحة لم أقرأها، ومفتاح لا أدري إلى أي باب ينتمي ، الليل يسألني دائمًا: “هل كنتَ سعيدًا؟” وأنا لا أجيب.
سألتُ نفسي هذا السؤال ألف مرة. وكنت أجيب عليه ألف إجابة لا تشبه بعضها. الغربة قاسية، نعم، لكنها تُنْبت داخلك ما لم يُولد في أرضك. وتُشعل فيك شموعًا لا يراها أحد. لكن هل هذا يكفي؟ لا أدري.
كان لدي خمسة أصدقاء، لا تزال أصواتهم تصلني كل مساء عبر شاشة كأنها صمت ثقيل لا يتحرك : آدم، علاء، وائل، عمر، أحمد ، خمسة أصدقاء يرمون النكات وكأنهم يودّعون شيئًا لا يريدون فقده ، تُغلف اليأس بالضحك، وتحاول أن تُخبئ الحزن في ملفات “PDF” ، كنا نضحك، وننسى أن كل واحد منا ينام في قارة مختلفة، في عُزلة لا تخففها الكلمات.
الحديث معهم يُشبه الجلوس في غرفة انتظار بالمستشفى، لا أحد يتكلم عن الألم الحقيقي، لكن الكل يشعر به. كنا نتحدث عن الطعام، عن المسلسلات، عن الحظر، عن العالم الذي تغير دون أن يستأذننا. وفي نهاية كل حديث، كنا نُسقط أنفسنا في صمتٍ طويل، نبحث عن دفء في شاشة لا تعرف الرحمة.
كنت أكتب… أكتب لأنني أختنق ، أكتب لأن الكتابة هي الشيء الوحيد الذي لا يطلب إذنًا من الفيروس ، أكتب لأن جسدي لا يعرف كيف يقاوم، لكن قلمي يعرف. والكتابة وحدها كانت تربطني بقريتي الصغيرة التي لا أدري إن كنت سأراها مجددًا ، قريتي التي تحتفظ بي في زاوية ما، مثل صورة قديمة داخل دُرج منسي.
لم أعد أنتظر شيئًا. صار الانتظار نفسه فعلاً مرهقًا. لكن، كما يقول جدي الغائب دائمًا: “الأمل هو ما يتبقى بعد كل شيء، حتى بعد أن تُغلق النوافذ، وتُطفأ الأنوار، ويُنسى اسمك في دفتر الغياب.”
وهكذا، عشت هذا اليوم، بين حرارة الخوف وابتسامة أملٍ مترددة ، وبين حياة لا تحدث بالكامل، وذاكرة تُعيد نفسها دون توقف. وفي الليل، حين تسكت الحروف وتتكلم الأحلام، رأيت نفسي أمشي على طريق طويل، لا ينتهي، لكنّه جميل… جميل بطريقة لا تُطمئن.