فاضل القيسي راوٍ بجناحين من ضوء وسينما

محمد علي محيي الدين

في أرضٍ تستيقظ على حكايا الحروب، وتغفو على أحلام المنفيين، وُلد فاضل عبدالله عودة القيسي يوم الأول من تموز عام 1959، في لواء واسط، لينشأ لاحقًا في ناحية الإسكندرية بمحافظة بابل، حيث كانت الرياح تحمل إلى مسامعه تراتيل الحقول وتنهيدات القصص المدفونة في وجوه الناس، وكأن الحياة قررت أن تهيئه منذ الطفولة ليكون كاتبًا يلتقط من الزمن شظاياه ويعيد ترتيبها على هيئة سردٍ يتنفس.

التحق فاضل القيسي بكلية الفنون الجميلة – قسم السينما، جامعة بغداد، فشق طريقه إلى عالم تتعانق فيه الصورة بالكلمة، والمشهد بالعبارة، واللقطة بالحدث، وكأنّه يكتب لا ليروي فقط، بل ليُرى ويُسمع ويُشاهد. السينما لم تكن محطة عرض، بل محطة عبور نحو سردٍ بصريٍّ داخلي، فحتى في أكثر قصصه هدوءًا، ثمة كاميرا خفية تتجول بين تفاصيل الجسد والذاكرة.

ما إن فرغ من مقاعد الدراسة، حتى انخرط موظفًا في مؤسسات الدولة، لكنه ظل وفيًا لصوت القصة، ذلك الصوت الذي لا يخفت حتى وإن اشتدت ضوضاء الحياة. بدأ يكتب وينشر منذ بداياته، وانضم إلى اتحاد الأدباء في بابل عام 1992، وإلى نقابة الفنانين عام 2020، وأسهم بتأسيس منتدى الإسكندرية الثقافي، حارسًا لجمرة الإبداع في زمن البرد الروحي.

توزعت إصدارات القيسي بين القص والسرد المفتوح والرواية والدراسة النقدية، فكانت مجموعته القصصية المشتركة “نصوص” بداية مبكرة مع القاص عزيز التميمي عام 1992، وتلاها “خريف الجعلان” عام 2010 بنصوصٍ مفتوحة، ثم روايته اللافتة “سلمون عراقي” عام 2018، وأخيرًا دراسته الجمالية “الرواية والسينما – عبقرية السرد” عام 2022، لتكتمل ملامحه ككاتب يتنقل بخفة بين ضفتي الخيال والتحليل، وبين غواية الجسد ومعمار الحكاية.

لقد التفت النقاد إلى أعمال القيسي باكراً، فوجدوا فيها رنينًا خاصًا، لا يشبه سواه. يقول الناقد ناجح المعموري عن روايته سلمون عراقي بأنها سرد ناعم يتكئ على تقنيات السينما الإيطالية الواقعية، ويعتمد على فضاءات متعددة تتشابك فيها الشخصيات بخيوط دقيقة. وأبرز ما لفت المعموري هو التمركز البنائي لشخصية “فؤاد سلطان” بوصفها مرآة لتشابكات الواقع والذاكرة، ولعلاقات الجسد والروح.

القيسي في روايته تلك لا يكتب الجسد كجغرافيا للرغبة فقط، بل كوسيط للتأمل، وساحة للاتصال الصامت بين الذكر والأنثى، حيث تتحول الإشارات إلى لغة، والرغبة إلى سرد، والجسد إلى شيفرة للحب أو الحرب أو كلاهما معًا.

إنها كتابة على جسد الأنثى، لا من باب الفضيحة بل من باب التورط الإنساني العميق، بما في ذلك من هواجس الفقد وندوب الذاكرة.

وإن كانت سلمون عراقي هي العلامة الروائية الأبرز في مسيرته، فقد وجدت مجموعته القصصية الأولى “نصوص” هي الأخرى صدىً نقديًا معتبرًا، حيث تناولها جاسم عاصي وناجح المعموري وقيس الجنابي وحسين السلطاني، مشيرين إلى التجريب القصصي المبكر الذي سلكه القيسي، وعنايته بتركيبة الجملة كأنها مشهد سينمائي مكثف. كما خصّها صلاح مهدي السعيد بدراسة أكاديمية قاربت فلسفتها السردية من خلال تحليل المعمار النصي والمضامين الرمزية.

وإذ تناول الباحث أسعد المطيري في أطروحته للدكتوراه صورة الجندي العراقي في الرواية العراقية، كانت سلمون عراقي من بين الروايات التي وقف عندها، لما فيها من تمثيل مكثف لمألات الحرب وتجليات الجندي الذي عاد من الجبهة محمّلاً بأعباء الذاكرة وهاجس الفقد.
إن فاضل القيسي ليس مجرد كاتب، بل هو صانعُ مرايا متعددة، يُري القارئ عبرها هشاشة الحياة وقوة التأويل، يضع القصة في قلب الجسد، والرواية على مفرق الطريق، حيث يلتقي التاريخ بالشخصي، والحب بالحرب، والأنثى بالمنفى.

تبدو كتاباته في ظاهرها بسيطة، لكن تحت السطح يغلي المعنى، وتتبدى وظيفة الفن كما ينبغي أن تكون: مجهرًا على الوجدان، وعدسة على التفاصيل الصغيرة التي تصنع الإنسان.

قد يعجبك ايضا