صحوة الذات من سبات الصمت

د. ابراهيم احمد سمو

إن لم تتحرّك الآن، فمتى تتحرّك؟
عبارة قصيرة، لكنها تُشبه شرارةً توقظ النفس من غفلتها، وتستحث العقل على مغادرة دائرة الانتظار الخانق. هي قريبة في جوهرها من مقولةٍ فلسفية عميقة نُسبت إلى الحاخام هليل الأكبر، أحد أعظم حكماء اليهود في القرن الأول قبل الميلاد، حين قال:

إن لم أكن لنفسي، فمن يكون لي؟
وإذا كنت لنفسي فقط، فماذا أكون؟
وإن لم يكن الآن، فمتى؟

ورغم أنني لست معنياً بتاريخ اليهود، ولم أكن يومًا مهتمًا بتتبع ثقافتهم، إلا أن هذه الكلمات اجتازت الزمن والحدود، لتطرق باب الوجدان، وتستقر في عمق الفكر الإنساني. لم تعد مجرّد تراث ديني أو حكمة ثقافية مغلقة، بل أصبحت جزءًا من الإرث الفلسفي المشترك الذي يخاطب الإنسان، أيًّا كان انتماؤه، حين يواجه نفسه في لحظة مفصلية بين السكون والحركة، بين التردّد والقرار.

في زمنٍ يعلو فيه الضجيج ويتسابق فيه الجميع على الظهور، ثمّة من اختار الصمت، وبقي في الظل. لا لأنه لا يملك شيئًا، بل لأنه آمن أن الأفعال تغني عن الأقوال، وأن الإخلاص لا يحتاج إلى تصفيق. غير أن هذا الصمت، وإن بدا نبيلاً، قد يتحوّل مع مرور الوقت إلى قيدٍ يمنع تحقق الذات، ويُغلق أبواب الفرص.

فالمقولة تحمل في طيّاتها شقّين متكاملين: الأول، دعوة صريحة للاعتراف بالذات، والاعتزاز بما تختزنه من قيمة ومعنى. أما الثاني، فهو تحذير من البقاء الدائم في الظل، ومن أن يُفنى العمر دون أن نُقدّم ما نملك، أو نُطالب بمكاننا في مسيرة الحياة.

كم من مخلصٍ أحبّ عمله بإيمان، وسهر الليالي في أدائه بضمير حيّ، دون أن ينتظر شكرًا أو عرفانًا؟ وكم من صاحب فكرٍ نير بقي في الخلف، لأنه لم يخرج من جُبّة الخجل، أو لأنه أقنع نفسه أن الوقت لم يحن بعد؟ لكن الحقيقة التي يجب ألا تغيب هي: أن الوقت لا يأتي… بل نحن من يجب أن نذهب إليه.

فالصمت الطويل ليس دائمًا فضيلة. قد يكون في بعض الأحيان نوعًا من التواطؤ مع الواقع، أو تخليًا غير معلن عن الحق في الوجود. والانتظار بلا فعل يشبه سفينة متوقفة في عُرض البحر، تراقب الأمواج وهي تمرّ، لكنها لا تتحرّك. العالم لا ينتظر أحدًا، والقرارات تُتخذ، والفرص تُمنح لمن يطرق الأبواب، لا لمن يظل واقفًا خلفها.

وحين يتقدّم العمر وتتراكم السنوات دون حسم، نصل إلى لحظة لا تُجدي فيها الندامة، ولا يُقبل فيها الطموح المؤجل. فالفرصة التي لم تُقتنص في وقتها، قد لا تعود. والتواضع، حين يتجاوز حدّه، قد يصبح عبئًا على الكفاءة، ويُفضي إلى غياب لا يراه أحد.

المعرفة إن لم تتحوّل إلى فعل، تموت في مكانها. والقدرة إن لم تُوظّف، تتحوّل إلى حِملٍ على صاحبها. وهذه العبارات الفلسفية ليست مجرد تأملات نظرية، بل تحريض مباشر على المبادرة، دعوة إلى التحرّك، وتذكير بأن اللحظة الحاضرة هي الفرصة الوحيدة المضمونة.

انتظار “الوقت المثالي” قد يعني ألّا نبدأ أبدًا. فالوقت المثالي هو الآن، مهما بدا ناقصًا أو غير مكتمل. والعقل المتّزن هو الذي يعرف متى يتحرّك، لا من يبقى في دوامة الحسابات والتردّد حتى تفوته الحياة.

نعم، قد تكون هذه الفلسفة منقولة عن حكيم يهودي قديم، لكنها تتجاوز خصوصيتها لتخاطب جوهر الإنسان. فهي رسالة لكل من أعطى دون أن يأخذ، لكل من آمن بأن النُبل لا يحتاج إلى شهرة، ولكل من اختار الصمت احترامًا لا خوفًا.

لكنها تقول أيضًا: لقد آن الأوان أن تُرى، أن تُسمَع، أن تُقدَّر.
ليس من باب الغرور أو التفاخر، بل من باب الواجب الأخلاقي تجاه نفسك، وتجاه العالم الذي بحاجة إليك.

فالحياة لا تنتظر، والطريق لا يُفتح بالدعوات، بل بخطوة أولى جريئة.
ومن يُعطِ مرّات دون أن يَطلب، عليه أن يسأل نفسه: إلى متى؟
لأن من لا يطالب بحقه، لن يناله.
ومن لا يتحرّك، سيبقى في مكانه… إلى أن يفوته كل شيء.

فيا من عرفت نفسك، وامتلأت بالعطاء، وحملت الحكمَة بصمت…
و اعلم أن الزمن لا ينتظر المترددين، بل يتطلّب جرأة التفكير في كسر الدائرة المغلقة

قد يعجبك ايضا