أزمة الرواتب في كوردستان: مؤامرة ممنهجة أم انتحار سياسي للمعارضة؟

هيام حاجي احمد

منذ عام 2014، دخلت العلاقة بين حكومة إقليم كوردستان والحكومة الفدرالية في بغداد نفقًا سياسيًا واقتصاديًا معتمًا، بدأ بحجب حصة الاقليم من الموازنة ، وتحديدًا نسبة الـ17% التي كانت تمثل استحقاقًا ماليًا ودستوريًا للإقليم.

ما حدث لاحقًا لم يكن مجرد خلاف مالي، بل تحوّل إلى مشروع سياسي مركزي يستهدف إضعاف البنية الدستورية للإقليم، مستغلًا أدوات اقتصادية محكمة، وبتواطئ من أحزاب كوردية فضّلت الاصطفاف مع بغداد على حساب وحدة البيت الكوردي.

والسؤال الذي لا بد أن يُطرح هنا: هل من المعقول أن تُعادي حكومة نفسها وتحجب الرواتب عن موظفيها؟ أم أن هنالك من يسعى لإسقاط الإقليم بأيدٍ كوردية وتوجيه خارجي محسوب؟

حجب الميزانية منذ عام 2014

في أعقاب التحولات السياسية بعد استعادة كركوك وانسحاب الجيش العراقي منها، بادرت بغداد إلى اتخاذ قرار مفاجئ بحجب الميزانية عن الإقليم، مبررة ذلك بمسألة “تصدير النفط دون موافقة الحكومة اتحادية”. غير أن ما خفي وراء هذا القرار كان أوضح من أن يُخفى: تقليص متدرج لهامش استقلال الإقليم سياسيًا واقتصاديًا. بدأت النسبة تُخفض تدريجيًا من 17% إلى 12%، بذريعة عدم وجود الإحصاء السكاني، بينما الحقيقة كانت أن بغداد لم يرضَ يومًا باستقلالية القرار الكوردي.

رواتب الموظفين من ورقة ضغط إلى وسيلة اختراق:
كما يقول المثل الكوردي القديم: “عندما يقع الشجار داخل البيت، تُغلق الأبواب لكي لا يسمع الجيران، لا سيّما الحساد”، لكن بعض الأحزاب الكوردية المعارضة خرقت هذا العرف العميق، فعرّت البيت أمام الخصوم. وهل الحكومة الفدرالية نفسها بريئة من الفساد المالي والإداري؟ ألم يصل بها الأمر إلى بيع خور عبدالله دون مساءلة أو رقيب؟ ومع تصاعد التأخير في صرف رواتب الموظفين، بدت بوادر أزمة اجتماعية واضحة. بدل أن تُوجَّه الدفّة السياسية نحو الجهة المسؤولة فعليًا، اندفعت تلك الأحزاب نحو تأليب الشارع على حكومة الإقليم. وكانت الكارثة حين تحاول هذه الأحزاب اقناع الرأي العام بأن الحل يكمن في نقل ملف الرواتب إلى بغداد، وهو ما بدا حينها مخرجًا، لكن ذلك بمثابة تنازل سيادي خطير عرفه الإقليم منذ 2005.

قرار التوطين، محاولة لتفكيك الكيان الدستوري بتواطئ كوردي:
لم يكن قرار المحكمة الاتحادية العراقية بتوطين رواتب موظفي إقليم كوردستان إجراءً ماليًا عابرًا، بل خطوة مدروسة لضرب جوهر النظام الدستوري للإقليم. وقد كشف رئيس الوزراء محمد شياع السوداني نفسه خطورة هذه الخطوة حين صرّح، خلال لقائه في برنامج “وجهًا لوجه” على قناة الحدث، بكلمات لا تقبل التأويل:
“إذا وصلت الرواتب من بغداد مباشرة، فهذا يعني لم يعد هناك شيء اسمه إقليم.” هذا التصريح لم يكن مجرد موقف سياسي، بل إقرار رسمي بأن تمرير الرواتب يتضمن نزع الشرعية الدستورية عن حكومة وبرلمان الإقليم، وتحويلهما إلى كيانات شكلية بلا صلاحيات. ورغم هذه الإشارة القاطعة، أقدمت بعض القوى السياسية الكوردية على تأييد القرار وترويجه على أنه “انتصار للمواطن”، في مشهد لا يعبّر فقط عن غياب العمق السياسي، بل عن استعداد مقلق لتفكيك الذات طمعًا في مكاسب آنية. بلغت السذاجة السياسية حد إطلاق وعود شعبوية كاذبة من بعض النواب، من قبيل:” إذا تأخرت هذه المرة الرواتب، تعالوا إليّ وسأعالجها.” في واقع الأمر، لم يكن ذلك سوى تبرير مكشوف لانسحاب كامل من الدفاع عن السيادة الإدارية للإقليم.

لقد تحولت ماتسمى المعارضة الكوردية التي كان يُفترض أن تلعب دور الرقيب السياسي إلى واجهة تمويه لمشروع مركزي يعيد هندسة الإقليم ضمن خريطة المركز، لا وفق إرادة شعبه. إن ما جرى لم يكن مجرد قرار مالي، بل تدشين لنقطة اللاعودة في مسار تقليص دور الإقليم، نفّذ بأدوات كوردية، تحت راية المصلحة العامة، وبخطاب يُجمّل التفريط وكأنه إصلاح.

ما بعد الرواتب، النفط مقابل الخضوع:

لم تكتفِ بغداد بالهيمنة على الرواتب، بل طالبت في المرحلة التالية بتسليم النفط المستخرج إلى شركة “سومو” الاتحادية، مستندة إلى المادة 111 من دستور 2005، التي تُفسر الثروات الوطنية بأنها “ملك مشترك”. هذا القبول الضمني، أو بالأحرى الإذعان، يعني فعليًا أن حكومة الإقليم فقدت مصدرها التمويلي المستقل، وأصبحت تحت رحمة المركز في كل ما يتعلق بالموارد. ومن هنا بدأت بغداد تفرض إملاءاتها السياسية مستترة بستار اقتصادي، لترسم حدود كوردستان وفق خريطة المركز ومصالحه، لا وفق إرادة شعبه.

المعارضة قصور في الرشد أم تفريط متعمّد؟:
المؤلم أن بعض الأحزاب الكوردية المعارضة ما زالت تطالب بالمزيد من التنازلات، حتى وصلت إلى حد المطالبة بتسليم “الثروات الطبيعية” في كوردستان، تلك التي ينص الدستور بوضوح على أنها من حقوق الإقليم الحصرية. هذا الإلحاح لا يمكن وصفه إلا بالخضوع السياسي المذل، إن لم نقل الخيانة.

فبينما يرون بأم أعينهم نتائج هذا المسار الكارثي، استمروا في تزيين الهزيمة وتسويقها كـ”مكسب وطني”، مؤكدين عبر منصاتهم أن الاتفاق مع بغداد هو الضمان، مع أن الواقع أكد خلاف ذلك تمامًا.

تحليل مقارن، درس من التجربة المصرية:
ما نعيشه في كوردستان اليوم ليس بعيدًا عن المشهد المصري بعد تنحي حسني مبارك في فبراير 2011، حين استُخدم الشارع كوسيلة لإسقاط النظام. جاء محمد مرسي على موجة الأمل والحرية، لكنه لم يصمد أكثر من سبعة أشهر. حينها أدرك الشعب أن من نادوا بالحرية لم يكونوا أوفياء للديمقراطية، بل مجرد واجهة لتبديل نظام بآخر. السيناريو ذاته يُعاد اليوم بأدوات كوردية، وشعارات داخلية، وأجندات لا ترى أبعد من مصالحها الحزبية الضيقة.

الوجه الحقيقي للصراع، من يغرق السفينة ومن يمنع وصولها إلى بر الأمان؟
من لا يدرك خطورة تسليم أدوات السيادة من الرواتب إلى النفط والمعابر فليترك السياسة لأهلها، ومن يعلم خطورتها ويُصر عليها، فقد حسم أمره في خانة الخصم. بعض الأحزاب في كوردستان أظهرت استعدادها لإغراق السفينة بأكملها لمجرد أن قبطانها لا ينتمي إليها. حتى وإن غرقوا معها، فإنهم ماضون في الطريق ذاته طالما أن “البارتي” لا يصل بالسفينة إلى بر الأمان. وهكذا، قُدمت الفرصة لبغداد على طبق من ذهب لإحياء مشروعها التاريخي: إنهاء نظام حكم الإقليم، وإعادة تسميته رسميًا بـ”شمال العراق”.

قد يعجبك ايضا