الاستاذ الدكتور : نزار الربيعي
ترتبط فلسفة أي عصر وزمان بفلسفة العصور والأزمان التي سبقتها، حيث إنها لا تنبثق فجأة من العدم، ولكنها تأتي معتمدة على ما سبقها كما هو حال جميع العلوم. كما يرتبط تاريخ الفلسفة المعاصرة بتاريخ الثورة الصناعيّة، حيث إنّ التطوّر الصناعي والاقتصادي طرح في أذهان الكثير من الفلاسفة المعاصرين مسألة الإنسانيّة وما تعنيه، ومعنى الفرديّة وما يجعل كل إنسان مميّزاً عن غيره من المخلوقات وغيره من البشر، وذلك في عصر يسود فيه التعميم على كل شيء، حتى على البشر، حيث يصبح كل ما يهم هو الأرقام والإحصاءات، فظهرت هذه الفلسفة كنوع من الدراسة والتحليل لهذا العصر فسُميّت “فلسفة معاصرة” نسبة إلى ما تعاصره من ظواهر في المجتمعات المختلفة. وهناك خلط بين مفهومي الفلسفة المعاصرة والفلسفة الحديثة، وكثيراً ما يتم النظر إليهما على أنهما وجهان لعملة واحدة، ولكن الحقيقة أن “الفلسفة الحديثة” هي أيضاً انبثقت ونتجت عن الفلسفة الغربية القديمة، ولكنها تُؤرّخ منذ بداية القرن السابع عشر الميلادي، لذلك يمكن القول إنّ الفلسفة المعاصرة جزء من الفلسفة الحديثة.
الفيلسوف المعاصر: إما الفيلسوف المعاصر اليوم،فهو يختلف بشكل جذري عن فيلسوف الأمس، فيلسوف الحقبتين معا القديمة والحديثة. فهو اليوم لا يستطيع أن يكتب مؤلفا فلسفيا على غرار “جمهورية” أفلاطون، أو “تأمّلات” ديكارت، . يمكن أن نترجم هذه الظاهرة باعتبارها أفولا للفكر الشمولي والكلياني ،و يجب أن لا يفهم هذا بأنّ الفيلسوف اليوم هو أقلّ ذكاء من فيلسوف الأمس وأسلافه السابقين.
اثر التطورات العلمية على الفلسفة المعاصرة منهجا وموضوعات قد افادت الفلسفة المعاصرة من حدثين مهمين، أولهما الثورة العلمية في مجال العلوم الدقيقة مثل البيولوجيا والرياضيات والفيزياء، وثانيهما العلوم الإنسانية مثل علم الإجتماع وعلم النفس والأنثروبولوجيا، فاهتمت الفلسفة المعاصرة بدراسة ونقد المعرفة العلمية، بالإضافة إلى اهتمامها في معنى الوجود الإنساني، ومعالجة قضايا الإنسان الاجتماعية والسياسية. وافادت الفلسفة المعاصرة ايضا من تلك التطورات وشكلت بها طريقة جديدة للخطاب الفلسفي،تلك الطريقة التي تقوم غلى نقد مبادىء العلوم نقدا معرفيا وفحصها بما ينسجم وروح العصر،فضلا عن ان ذلك الخطاب الفلسفي اتجه نحو الاهتمام بقضايا الانسان المعاصر واشكالياته المعرفية،والوجودية،والقيمية،فضلا عن تلك المشكلات التي تتعلق بوجوده الشخصي، والسياسي، والإجتماعي ،والبيئي.لقد انشغلت الفلسفة المعاصرة كذلك بنقد الفلسفات القديمة والحديثة،وذلك من اجل تخطي الاشكاليات التي تناولتها،وتأسيس خطاب فلسفي يستجيب لتحديات العصر،وفتح افاق جديدة للتفلسف.
نهاية الحقيقة والواقع ،استبدال الحقيقة او الواقع بتركيبات لغوية اجتماعية شخصية وغير قابلة للقياس، تتغير تبعا للجماعات المتصارعة،استنادا إلى أبعاد مثل الجنس والاثنية والعرق والدين والثروة. وهذا ماجعل الفلاسفة يفهمون لغة ومنطق كل مجموعة من خلال نظرة وظيفية توافق نظامها الداخلي التقليدي , وتزعم بأنه لا علاقة للغة بالواقع غير اللغوي, وأن الكلمات يمكن ان توظف بوصفها أسلحة بلاغية في معركة الإرادات المتنافسة التي تنطوي على تأكيد قسري لمصالح كل مجموعة.
يمكن القول ان الفلسفة المعاصرة ، تنحو إلى أن تكون تطبيقية تركز على المنطق والتحليل المفهومي . وبالتالي فإن مواضيع اهتماماتها تشمل نظرية المعرفة ، والأخلاق ، طبيعة اللغة ، طبيعة العقل