من التحالف إلى الإنكار: تحوّلات العلاقة بين الكورد والقوى الشيعية بعد 2003

بقلم: أ.د. خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراقي الحديث والمعاصر

لم تكن العلاقة بين الكورد والشيعة في العراق وليدة لحظة سياسية عابرة أو تحالفاً مؤقتاً اقتضته الحاجة، بل كانت علاقة نضال طويلة وممتدة ضد نظام حكمٍ قمعي استهدفهم معًا، في الجغرافيا والتاريخ، وفي الهوية والانتماء. فمنذ بواكير الحكم البعثي، وجد الطرفان نفسيهما في مواجهة ماكينة دولة لا تعترف إلا بمنطق القوة، وتستهدف كل ما لا يدخل في نطاق «العقيدة القومية» المؤدلجة على مقاس الحزب الواحد والقائد الواحد.

في سنوات السبعينيات والثمانينيات، تلاقت إرادة الشعب الكوردي في التحرر القومي مع تطلعات الطائفة الشيعية في رفع المظلومية السياسية والاجتماعية التي وقعت عليها، فكان التنسيق بين القوى الكوردية مع قوى المعارضة الشيعية كالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق وحزب الدعوة الإسلامية، هو السمة الأبرز في خريطة المعارضة العراقية.

احتضنت كوردستان العديد من الاجتماعات القيادية للقوى الشيعية، وفتحت أراضيها ومعسكراتها لتدريب كوادرها ،في مشهد نضالي فريد، تجاوز الانتماءات القومية والمذهبية، لينعقد على قاعدة مواجهة الظلم المشترك.

وفي انتفاضة عام 1991، حين خرج الجنوب بثورته المعروفة بعد حرب الخليج، ثم انتفضت كوردستان في آذار، كان المشهد واحدًا: دم الكورد ودم الشيعة اختلط في شوارع هولێر كما في البصرة، وفي السليمانية كما في النجف. التجأ الثوار الشيعة نحو الجبال الكوردية بحثًا عن ملاذ من ملاحقات الحرس الجمهوري، كان ذلك التحالف بمثابة تعبير حيّ عن وحدة المظلومية والمصير.

ومع سقوط نظام صدام حسين عام 2003، بدا للوهلة الأولى أن زمن الشراكة قد حان، وأن الكورد والشيعة سيدخلون مرحلة جديدة من إعادة بناء الدولة، على أساس دستوري يحترم التعددية ويكفل الحقوق، ويمنح لكل مكوّن حجمه السياسي وتاريخه النضالي. وقد كانت كوردستان سبّاقة في تأييد العملية السياسية، وساهمت في صياغة الدستور الدائم، ووافقت على عراق اتحادي تعددي ديمقراطي، واضعة كل إمكاناتها في خدمة إعادة بناء الوطن.

غير أن السنوات التي تلت 2003 لم تأتِ بما كان يُنتظر منها. شيئًا فشيئًا، بدأت ملامح التنكّر تلوح في الأفق. تحوّل بعض من كانوا بالأمس في خندق واحد مع الكورد إلى خصوم سياسيين. وبدأت لغة الشراكة تتراجع أمام خطاب السيطرة المركزية. وبدلًا من تثبيت الفيدرالية كضمانة لاستقرار العراق، بدأت تخرج أصوات تطعن بشرعية الإقليم، وتشكّك في دستوريته، وتتعامل مع مؤسساته كأنها امتيازات مؤقتة يجب تجريد الكورد منها.

الأخطر من ذلك، أن أدوات الضغط السياسي تحوّلت إلى عقوبات اقتصادية. فتمّ قطع رواتب موظفي الإقليم، وتم استخدام الميزانية العامة كسلاح تفاوضي، وجرى خنق كوردستان اقتصاديًا في أكثر من مناسبة، في محاولة لإجبارها على التنازل عن مكاسب دستورية تم الاتفاق عليها برعاية الجميع. ثم تحولت الأزمة إلى ما يشبه الحصار غير المعلن: إغلاق المنافذ، تعطيل الاتفاقات، تأخير مستحقات البيشمركة، منع العقود النفطية، وإغراق الإقليم بالديون والانكماش.

وتجلّى هذا التوجه بوضوح بعد استفتاء عام 2017، حين اختارت كوردستان أن تُعبّر عن إرادتها الشعبية بطريقة سلمية وديمقراطية، فقوبلت بحملة عقاب جماعي، شاركت فيها بعض القوى الشيعية بكل ثقلها السياسي والعسكري، بل ذهب بعضها إلى حدّ الدعوة لإلغاء الإقليم بالكامل، في سابقة خطيرة لا تليق بتاريخ مشترك من الدم والمعاناة.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل كان كل ذلك التحالف السابق مجرد تقاطع مصالح؟ وأين ذهبت كل تلك السنوات من التنسيق والعمل المشترك؟ هل يُعقل أن تتحول كوردستان – التي كانت مأوى وملجأ – إلى هدف للإنكار والإقصاء؟ وهل هذا هو جزاء من آوى وساند وشارك في بناء عراق جديد؟

الإنصاف يقتضي أن يُراجع الشركاء الشيعة موقفهم من كوردستان، وأن يدركوا أن أي مشروع سياسي لا يقوم على الشراكة والاحترام المتبادل مصيره الفشل. إن الكورد ليسوا “أقلية” تطالب بـ “امتيازات”، بل شعبٌ له قضية وهوية ونضال، وشريك فعلي في بناء العراق الجديد.

كوردستان اليوم لا تطالب بالاستقلال الفوري، ولا تسعى للانفصال عن العراق إلا إذا فُرض عليها خيار الانفصال كبديل عن الإقصاء. كل ما يطالب به الإقليم هو الاحترام المتبادل، وتطبيق الدستور، والعدالة في توزيع الثروات، وضمان أمنه السياسي والاقتصادي والثقافي.

إن تهميش كوردستان لا يخدم أحدًا. بل يفتح الباب أمام المزيد من الانقسام والتشرذم. وإن العراق الفدرالي لا يمكن أن يكون متماسكًا ما لم يُبْنَ على أساس الاعتراف بجميع مكوّناته.

التاريخ لا يُمحى بالتناكر، ولا تُلغى المواقف بالمزايدات. ومن أراد أن يبني دولة قوية، عليه أن يعيد الاعتبار لمن وقف معه يوم كان النصر حلمًا بعيدًا.

قد يعجبك ايضا