التنظيم القانوني لتطوير الذكاء الاصطناعي

الدكتور : محمد طه الهدلوش

يعد الذكاء الاصطناعي شكلاً من أشكال التكنولوجيا التي سعت البشرية منذ القدم للوصول إليها. فتخيلات البشر بتطوير آليات لها قدرة على التحليل، واتخاذ التصرفات الذاتية يعود إلى مئات السنين، وخلال القرن الواحد والعشرين انتقلنا من الخيال إلى الواقع، وذلك بتطوير تقنيات قادرة على أداء أعمال بشكل ذاتي إلا أنها لا تزال في مراحلها الأولى. وكأي تطور في المجتمع الإنساني، فان هذه التقنيات التي تعمل بشكل مباشر وغير مباشر مع الأفراد لها إيجابياتها وسلبياتها، أي أنها توفر للبشر فرص جديده لتحسين حياتهم، وتمكينهم من الحصول على حياة كريمة بالحفاظ على حقوقهم الأساسية، وبالمقابل فإنها بحداثتها قد تشكل تحديات ومخاطر على حقوق الأفراد، وحرياتهم العامة أيضا.

الذكاء الاصطناعي يصطدم بشكل مباشر بالحقوق الأساسية للإنسان إيجاباً وسلباً، وكأننا في هذا الصدد نحاول الموازنة ما بين حاجتنا المستمرة لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي والحفاظ على حقوق الأفراد المنصوص عليها في القانون الدولي لحقوق الإنسان كحق الأفراد بعدم انتهاك خصوصيتهم. وعليه، فانه لابد للمجتمع الدولي أن ينظم عمل هذه التقنيات عن طريق مجموعة من القواعد والقوانين والأسس التي تضبط تطوير الذكاء الاصطناعي وطريقة عملهما يواءم احترام قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، وهذا ما يطلق عليه بحوكمة الذكاء الاصطناعي من منظور حقوق الإنسان.

ان معظم الدراسات الإنسانية العربية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي دراسة الموضوع من منظور تقني، أما بالنسبة لدراسة التنظيم القانوني لتطوير الذكاء الاصطناعي؛ فهي محدودة. فعلى الرغم من التزايد المضطرد لاستخدام تقنيات الذكاء الصناعي في سائر المجالات إلا أن المناقشات الأكاديمية القانونية المتعلقة بتأثير الذكاء الاصطناعي على حقوق الإنسان لا تزال قليلة. إذ نجد بأن بعض القانونيين قد عنوا بتحليل الذكاء الاصطناعي من وجهة نظر وطنية في حدود التشريعات الداخلية المنظمة لتطوير هذه التقنيات وتطبيقها. بينما اتجه بعضهم الآخر لتحليل التحديات والإشكاليات القانونية المترتبة على تطوير هذه التقنيات وعلاقتها بالمسؤولية المدنية والمسؤولية الجزائية والملكية الفكرية ، فبالإضافة لتزايد التشريعات الوطنية التي بدأت بتنظيم عمل هذه التقنيات على المستوى الوطني فإن تنظيم عملية تطوير هذه التقنيات وعملها أصبحت محط عناية إقليمية ودولية أيضا. ولكون تبعات استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت أمراً لا يمكن تجاهله أو حتى محاولة التقليل من أهمية تأثيره على البشرية كلها وعلى الفرد بشكل خاص، فإننا هذه أننا لن نكتفي بذكر تأثير الذكاء الاصطناعي على حقوق الإنسان ، بل سنتوجه إلى تحليل واقتراح منظومة حوكمة قانونية تنظم عمل الذكاء الاصطناعي وفقاً لقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان.

يتطور القانون بتطور الحاجة لنشوئه، إذ إن تطور المجتمع هو أساس وجود القانون ابتداء، وهو معيار تطوره. وبما أننا في عصر التطور، لابد للقانون أن يواكب هذه التطورات بما يتناسب مع حاجتنا لتنظيم المجتمعات الإنسانية. وهنا تتبلور العلاقة الحتمية بين القانون والتطور التكنولوجي، أي أن التطور التكنولوجي بوصفه أهم مظاهر المجتمعات الحديثة، فلابد من تنظيمه بقواعد قانونية تحكم تكوين وعمل المتغيرات التكنولوجية من جهة، وتنظم علاقة هذه الأخيرة بالمجتمع والأفراد. و علاقة القانون بالتكنولوجيا، وذلك عن طريق تخصيص التكنولوجيا بالذكاء الاصطناعي، وتخصيص القانون بفرع القانون الدولي لحقوق الإنسان، وذلك لكونهما مركز اهتمامنا هنا. وعليه ان ماهية الذكاء الاصطناعي بوصفه أحد أشكال التكنولوجيا المستحدثة.

قد يعجبك ايضا