دلشاد محمد*
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيد المرسلين، محمدٍ النبي الأمين، وعلى آله الأطهار وصحبه الأخيار، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
في هذه الأيام العظيمة، حيث تهبّ نسائم الحزن من كربلاء، وتُحيي الأمة ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي عليه السلام، الشهيد الخالد، السبط الطاهر، الذي خرج ليُقيم ميزان العدل في أمة غلب عليها الظلم والفساد، نقف وقفة تأمل ومقارنة، نُقلب صفحات التاريخ وننظر في واقعنا، لنرى تشابهاً عجيباً بين حال الإمام الحسين في كربلاء، وبين حال شعب كوردستان اليوم، شعبٌ مظلوم، محاصر، جائع، يُحرم من حقوقه، وتُقطع عنه أرزاقه، ويُتّهم في وطنيته، وكأنه خرج عن حدود الطاعة لأنه طالب بالكرامة والعدالة!
لقد خرج الحسين عليه السلام لا طلبًا لسلطة، ولا حبًا في دنيا، بل قالها بوضوح: “ما خرجتُ أشِراً ولا بطِراً ولا ظالماً ولا مفسداً، إنما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمة جدي.”
واليوم، أليس هذا هو حال الكورد؟ هل طالبوا بشيءٍ غير حقوقهم الدستورية؟ هل طالبوا إلا بالعيش بكرامة؟ فبأي ذنب يُحاصرون؟ بأي حجةٍ تُمنع عنهم الرواتب؟ بأي مبرر يُعاملون كأنهم خارجون عن الدولة، وهم أهلها وجزءٌ أصيل من ترابها وتاريخها؟
أليس الإمام الحسين قُطع عنه الماء ثلاثة أيام؟ وشعب كوردستان قُطع عنه الراتب شهورًا وسنوات؟
أليس الحسين حُوصر في كربلاء؟ والكورد يُحاصرون بالسياسة والمال؟
أليس الحسين تُرك وحده، رغم كثرة الوعود بالنصرة؟ وشعب كوردستان اليوم يُترَك وحيدًا، لا يسمع من بغداد غير الصمت أو الخطابات المليئة بالإنكار؟
أليس الحسين قُتل لأنه قال كلمة حق في وجه سلطان جائر؟ وشعب كوردستان يُعاقَب لأنه تجرّأ أن يرفع صوته مطالبًا بالعدالة!
يا ساسة بغداد، اتقوا الله، إن كنتم تبكون على الحسين، فاعلموا أن الحسين ليس دمعًا يُسكب في عاشوراء، بل منهجًا يُتّبع في كل حين، فأن تكون حسينيًا لا يعني أن تضرب صدرك وتبكي، بل أن ترفض الظلم، أن تنصر المظلوم، أن تقف مع الحق وإن خالفك القريب والبعيد. فهل نصرتم شعب كوردستان حين صرخ من الجوع؟ هل أنصفتم موظفيه حين دُفنوا في ديونٍ لا نهاية لها؟ هل نظرت أعينكم إلى أطفالٍ ينتظرون رواتب آبائهم، كما كان أطفال الحسين ينتظرون قطرة ماء؟
إن الظلم ظلمات يوم القيامة، وإن الله يمهل ولا يهمل، وسيُسأل كل مسؤول عن هذا الحصار، عن هذا التجويع، عن هذا الإذلال، كما سيُسأل عمر بن سعد عن دم الحسين، وكما سُئل يزيد عن كربلاء. لا تقولوا: لم نكن نعلم، فأنين الجياع بلغ عنان السماء، ودعاء المظلومين لا يُرد، كما قال النبي محمد ﷺ: “اتقوا دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب.”
شعب كوردستان اليوم هو حسين هذا الزمان، يُقاتل من أجل كرامته بلا سلاح، ويصبر على الجوع بلا شكوى، ويطالب بحقوقه بلغة الدستور لا لغة السلاح، فإن خذلتموه، فأنتم كمن خذل الحسين، وإن ساندتموه، كنتم من أنصار الحسين الحقيقيين.
نحن لا نقول ذلك من باب السياسة، بل من منبر الدين، من منبر الحسين، من منبر الإسلام الذي يأمر بالعدل والإحسان، ويحرّم الظلم بكل أشكاله، فعودوا إلى الله، وارجعوا إلى ضمائركم، ولا تظلموا من لا يملك إلا الدعاء، فإن دعوة المظلوم إذا خرجت من قلبه، كسرت أبواب السماء.
فيا من تتخذون من الحسين راية، تذكّروا أنّ الحسين لم يكن رمز بكاء فقط، بل كان موقفًا، كان ثورةً على الذلّ، ووقوفًا في وجه من أراد أن يحكم الناس بالجوع والخوف. واليوم، كما وقف الحسين في كربلاء، يقف شعب كوردستان في كربلاء العصر، محاصرًا لا بالسيوف، بل بالرواتب المقطوعة والحقوق المهدورة، لكنه، كما الحسين، لم ولن ينحنِ.
هذا الشعب الذي ظنّ البعض أنه سينكسر بالجوع، أثبت أنه لا ينكسر، بل يزداد صلابةً، وأنه لا يبيع كرامته بلقمة، ولا يسكت عن حقه تحت ضغط الحاجة. وبين كل هذا الظلام، وقف القائد الشجاع مسرور بارزاني شامخًا، حاملاً همّ شعبه، مدافعًا عن حقوقه، لم يساوم على المبادئ، ولم يخضع للضغوط، فوجد في قلوب الكورد وفاءً لا يقدَّر بثمن، ومحبةً لا تنكسر.
نعم، لقد جاع الكورد، لكنهم لم يهنوا. نعم، تألموا، لكنهم لم يتخلّوا عن كرامتهم. واليوم يقول الشعب الكوردي كلمته بصوت واحد: نحن معك يا مسرور بارزاني، لأنك معنا، لأنك وقفت حين تراجع الآخرون، وصبرت حين باع البعض كل شيء.
التاريخ لن ينسى من صبر، ولن يرحم من ظَلم. وكما خُلِّد الحسين في صفحات النور، سيُخلّد كل من سار على دربه، ومن وقف مع شعبه، ومن حافظ على كرامة أمّته. وكما بقيت كربلاء رمزًا للحق، سيبقى كوردستان رمزًا للثبات، والكرامة، والوفاء.
وفي ختام كلمتنا، نقولها بصدق الإيمان وصوت المظلوم:
نطالبكم يا حكومة بغداد، أن تتقوا الله في هذا الشعب الصابر، وأن تتعاونوا مع رئيس وزراء الإقليم مسرور بارزاني، لا أن تقفوا في وجهه، فأنتم إن أردتم الخير للعراق، فابدؤوا بالعدل، وأعيدوا الحقوق إلى أهلها. أعطوا الشعب الكوردي حقوقه كما يأمر الدين، وكما يفرض الضمير، قبل أن تكتب صحائف الظلم في أعناقكم، وقبل أن يُصبح الصبر وجعًا لا يُحتمل.
*امام وخطيب