الكلمة بين الإنصاف والتشهير

 

بقلم : د ابراهيم احمد سمو

في عصر الإعلام السريع والمتشظي، باتت الكلمة التي تُقال في لحظة عفوية أو سياق معين عرضة للتقطيع والتحريف والتأويل، خصوصًا عندما تُنتزع من سياقها وتُستخدم كوسيلة للتشهير لا للإيضاح أو الحوار. قد يتحدث الضيف لساعات أمام الكاميرا في لقاء مباشر أو مسجّل، ويعرض فيه أفكاره وآراءه حول مواضيع شتى، دون أن يُواجه بأي اعتراض أو تعليق أو رفض أثناء اللقاء. الكل يبدو منصتًا أو على الأقل صامتًا، ثم ينتهي اللقاء بسلام، ويشعر الضيف أنه قد أجاد التعبير وأوصل ما يريد.

لكن ما إن تُرفع الحلقة إلى العلن، حتى تبدأ المقصات الإلكترونية عملها. يُنتزع تصريح معين، وتُقطع المقابلة إلى مشاهد مجتزأة لا تعكس حقيقة الحديث، بل تخدم رغبة دفينة في التشهير. الغريب في الأمر أن هذا لا يحدث من قبل خصوم أو أعداء فكريين فحسب، بل أحيانًا – ويا للأسف – من الجهة التي دعت الضيف واستضافته، ومن المفترض أنها حريصة على صورته، أو على الأقل تحترم حضورَهُ ومشاركته.

تتحول المقابلة، التي بذل الضيف جهده ووقته وسفره من أجلها، إلى مادة مبتذلة على منصات التواصل، تُختصر في مشهد مدته لا تتجاوز الدقيقة أو الثواني، وتُرفق بعناوين استفزازية هدفها جذب الانتباه والتفاعل. فإن كان الضيف “على مزاجهم” مرّ كل شيء بسلام، وربما نُشر اللقاء كاملًا مرة واحدة. أما إن لم يعجبهم، أو قال ما لا يُراد له أن يُقال، فحينها تبدأ حفلة التقطيع، ويُترك للمتابع أن يحكم على المشهد المجتزأ دون أي معرفة بالسياق العام أو الخلفية الفكرية.

هكذا أصبح كثير من الإعلام اليوم، للأسف، مشغولًا بالتصيد لا بالحوار، وبالتحريف لا بالتحقيق، يلهث خلف “اللايكات” و”المشاهدات” أكثر من سعيه لنقل الحقيقة أو بناء رأي عام ناضج. لم يعد المهم تقديم مادة متكاملة أو موضوعية، بل البحث عن جملة يمكن استغلالها، أو عبارة يمكن تسويقها على أنها “فضيحة” أو “موقف غريب”.

وقد واجهتُ شخصيًا هذا النمط الإعلامي في أكثر من مناسبة، حيث تم اجتزاء مقاطع من لقاءاتي لتُستخدم ضدي، تارة بأسماء مستعارة، وتارة – ويا للمفارقة – باسم المحطة ذاتها التي أجرت اللقاء. هذه التجارب دفعتني إلى اللجوء إلى الإعلام الشخصي، وتسجيل اللقاءات بنفسي، ونشر المقابلات عبر قنواتي الخاصة، علّني أضمن بذلك نقل فكرتي كما هي، لا كما يريدها الآخرون. لكن حتى هذا الخيار لا يمر بسلام، فهناك من يتربص، لا بدافع الاهتمام أو النقد البنّاء، بل بدافع الحقد والكراهية، ويبحث عن أي ثغرة لينال منك أو يشوه صورتك.

في ظل هذه الفوضى الإعلامية، لم يعد الضيف – مهما كانت مكانته أو فكره – في مأمن من التشويه. والكارثة الأكبر أن بعض المحطات الفضائية، التي تحسب نفسها على المهنية والانتشار العالمي، تقع في هذا الفخ، أو تتورط عمدًا فيه. إن احترام الضيف لا يقتصر على حسن الاستقبال أو إتاحة الوقت، بل يمتد إلى طريقة عرض اللقاء، وتقديم الصورة كاملة، دون تقطيع أو توجيه للرأي العام ضدّه.

وفي هذا السياق، أذكر ما قاله الكاتب العراقي حسين سعدون الحيدري في أحد لقاءاته، ناقلًا عن فرويد: “كلمة واحدة قد تقودك إلى الإعدام”. نعم، أصبحت الكلمة اليوم – إن لم تُحمَ بسياقها – عبئًا على صاحبها، وسلاحًا في يد خصومه.

وفي كثير من الأحيان، يعمل البعض في مجال الإعلام أو الإخراج أو التقطيع الفني، على انتقاء الجمل التي تُثير الجدل، ويهملون ما يسبقها أو يليها، بل يتجاهلون الأسئلة التي وُجِّهت للضيف أو الظروف التي قيل فيها الكلام. وهنا يتحول اللقاء إلى “كمين” لا إلى “منبر”، ويتحوّل الضيف إلى “ضحية” لا إلى “محاور”.

في مجتمعاتنا التي لم تزل تعاني من ضيق الأفق، وقلة التسامح، وتضخيم الرأي، تصبح الكلمة سيفًا مسلطًا على صاحبها، ويصبح الصمت – أحيانًا – أكثر أمانًا من التعبير. المجتمع هنا ليس كما في المجتمعات المتقدمة، حيث تُفهم الكلمات في إطارها، وتُناقش بموضوعية. نحن نعيش في بيئة تبحث عن “الزلة”، وتفرح بالسقوط، وتُشيطن الاختلاف.

لهذا، بات من الضروري أن يتحلى الإنسان بالثقة بالنفس، والقدرة على تجاهل الضجيج، وعدم المبالاة بما يُقال عنه دون إنصاف. فالمهم أن تبقى الكلمة مسؤولة، حتى إن أساؤوا فهمها أو حوّروها. والأهم أن نبحث عن إعلام ثابت، صادق، لا يتلون مع المزاج، ولا يُساير الريح، بل يسعى لنشر الثقافة، لا التجريح .

قد يعجبك ايضا