د.جمال السعدي
يعتقد البعض خطاً أن موعد بدء الحرب ضد إيران هو 13 حزيران 2025، الذي سبقته جولات مفاوضات عدة برعاية عُمانية مع الجانب الأمريكي، والتي لم تٌسفر عن نتائج، لتمسك كل طرف بشروطه. فالجانب الأمريكي يٌريد أن تتخلى إيران عن برنامجها النووي بحجة سعيها لامتلاك قنبلة نووية مما يؤثر على الأمن الإقليمي، واعتبارها داعمة لمحور يعمل ضد النفوذ الأمريكي ويؤمن بإزالة إسرائيل، إيران تتمسك بحقها المشروع في استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية كما تدّعي، وتدلل على ذلك بوجود فتوى للمرشد الأعلى السيد علي خامنئي يُحرم فيها إنتاج السلاح النووي، وسنحاول في هذا المقال بيان مدى أهمية المعلومة الاستخبارية لمن يملكها في الحرب، ويوظفها بمهنية وذكاء في توجيه أحداثها ورسم نهاياتها.
التمهيد للهجوم على إيران:
أثار عُمق الاختراق الاستخباري للموساد الإسرائيلي في إيران دهشة من في الداخل والخارج، وخلّف انطباعا أن الهجمات التي تعرضت لها إيران لم تكن بدايتها يوم 13 حزيران حين تمت فيها الضربة الأولى واستهدفت مواقع عسكرية ونووية، واغتيل فيها قادة كبار، بل هي ثمرة التفوق العسكري والاستخباري، فالحرب بدأت على إيران من خلال اختراقها أمنياً قبل أن تخترق سماءها الطائرات الاسرائيلية.
فالاختراق جاء نتيجة إعداد منذ مدة زمنية طويلة بإنشاء شبكات منظمة وموجهة داخل أراضيها، مستغلة الوضع الاقتصادي الخانق، وتردي المستوى المعاشي للمواطن الإيراني نتيجة الحصار الاقتصادي المفروض عليها من قبل الولايات المتحدة الامريكية، واستغلال التقاطعات الاجتماعية، والجهات المعارضة للنظام مثل “منظمة مجاهدي خلق “.
وما يوضح حجم الاختراق للجبهة الداخلية الإيرانية تصريحات أدلى بها مسؤولون إيرانيون مثل وزير المخابرات الإيراني الأسبق علي يونسي الذي أدلى بتصريح عام 2021 قائلا” إن الاختراق الواسع من قبل الموساد مثير للقلق، وإن الأجهزة الأمنية منهمكة في مواجهة الداخل بدلًا من مواجهة الجواسيس”. وتصريح الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد غير المسبوق في عام 2021 على شاشات التلفاز عن شبكة اختراق في وزارة الاستخبارات قائلا ” إن أعلى مسؤول في قسم مواجهة إسرائيل في وزارة الدفاع كان جاسوسا لصالح إسرائيل ” وجاءت هذه التصريحات بعد حادثة سرقة الأرشيف النووي عام 2018 وحادث اغتيال العالم النووي محسن فخري زادة عام 2020 الذي يٌطلق عليه أبو البرنامج النووي الإيراني، ما أثار تساؤل بعض المسؤولين الحاليين لماذا لم تتعامل إيران مع هذه الحوادث كجرس إنذار لما هو أكثر خطورة، لاسيما أن هناك تصريحات لمسؤولين سابقين عن حجم الاختراق، وكان يمكن إيجاد نوع من التعاون مع أجهزة مخابرات لها باع طويل ومعرفة في أساليب عمل المخابرات الغربية، كجهاز المخابرات الباكستاني الذي كانت تربطه مع المخابرات الأمريكية علاقات تعاون نتيجة أحداث أفغانستان، فضلاً عن أن باكستان تعد أي اضطراب في وضع إيران الداخلي مؤشر خطر على أمنها القومي، وهذا ما برز بشكل جلي بعد الهجوم الإسرائيلي على إيران، وتصريحات المسؤولين الباكستانيين عُدت في حينها متقدمة على كثير من مواقف الدول المجاورة لإيران.
رد الفعل الإيراني تجاه الهجوم الإسرائيلي:
تيقّنت إسرائيل بمعلوماتها الاستخبارية حول إيران نتيجة الكم الهائل من المعلومات من عملائها في الداخل، مع دعم استخباري أمريكي ما جعلها تشعر بنوع من الغرور أنها قادرة على إنجاز المهمة بأيام معدودة، لكن ما لبثت أن اصطدمت _ بعد استيعاب إيران للضربة _ بواقع ميداني مرير، فهي لم تتوقع الرد الإيراني العنيف؛ لأنها تعَّودت في جولات سابقة اكتفاء إيران برد فعل محدود، وإيصال رسائل إني قادرة على الوصول والتدمير.
من جانب آخر فإن تصريحات وزير الخارجية الإيراني _عراقجي _ عبّرت بوضوح عن رد الفعل الإيراني العنيف، عندما رفض دعوات التهدئة وضبط النفس تجاه هجمات إسرائيل لتحقيق معادلة ردع واضح ومؤثر، إذ إن مجرد إطلاق الصواريخ لا يكفي في حسابات صورتها أمام شعبها والعالم، فإيران دولة لها ثقلها الإقليمي وذات مساحة كبيرة وتتمتع باعتزاز وطني وإثني، وتمتلك قدرات تساعدها على المواجهة مع إمكانية عرقلة الملاحة عن طريق مضيق هرمز الذي يمر من خلاله ما يقرب من 60% من إمدادات الطاقة الى العالم.
أتاح الهجوم الإسرائيلي للنظام تعزيز موقفه أمام شعبه والحصول على تعاطف دولي، وما ساعدها في الرد العسكري بشكل مؤثر ما تمتلكه من معلومات استخبارية تحصلت عليها من خلال الوثائق التي حصلت عليها نتيجة عمل مخابراتي كما تدعي، وحاولت ايضاً توظيفه خلال جولات التفاوض مع الجانب الأمريكي وايصال رسالة الى إسرائيل عبر حليفتها، بغية إرباكها كنوع من التأثير النفسي قبل حدوث الضربة عليها؛ مما يظهر مدى أهمية المعلومة في التفاوض والعمل العسكري الاستباقي.
هل الهدنة دائمة ام مؤقتة؟
يسعى كلا طرفي الصراع _ إيران وإسرائيل _ إلى تقييم نقاط الضعف ومحاولة معالجتها، لذا قام وزير الدفاع الإيراني بزيارة إلى الصين للتعاقد على نظام دفاع جوي وطائرات حربية، والتقى وزير الدفاع الباكستاني، لأن ما حدث بين طرفي الصراع جولة من معركة لم تنته بعد، وتجربة أفادت منها إسرائيل لاختبار مدى كفاءة إختراقها الأمني …وإيران اختبرت قوتها الصاروخية، والنتيجة: لا انتصار حاسم، بل استعداد لجولات أخرى قد تكون أكثر شراسة ودموية، أما الآن فقد سكتت أصوات الطائرات، وأزيز الصواريخ، لكن الساحة مفتوحة على جبهة مختلفة، جبهة الجواسيس، والعمل الاستخباري، حرب الظل وإدارة المعارك خلف الحواسيب وشبكات الانترنت.
لكن اللافت للانتباه تصريح عضو البرلمان الإيراني السابق المدعو اردستاني ” بأن وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران سيكون دائماً ومستقراً، وأضاف: الدولتان عرفتا ما يكفي عن القدرة العسكرية لكل منهما، في الوقت الذي عرف فيه نتنياهو ما هي قوة الصواريخ الإيرانية، اعترف أن عليه الموافقة على وقف إطلاق النار، لذا سيكون برأيه وقف دائم ” وأثار عدداً من نقاط الضعف التي يجب معالجتها، كتعزيز قدرة سلاح الدفاع الجوي وتطوير عمل الأجهزة الأمنية، وأبدى إستغرابه !!!! كيف يعمل هذا العدد الكبير من الجواسيس لإسرائيل، ومكثوا لمدة طويلة جدا ونجحوا في إلحاق الضرر بنا؟ لذا من الضروري تشكيل مجموعة فحص ومراجعة للأجهزة الأمنية ومعالجة مستوى حياة المواطنين.
وخلاصة القول: لا ننسى التذكير أن العمل الاستخباري أسهم في تغيير ورسم كثير من الاحداث على مستوى العالم، وأن هذه الجولة من الصراع أبرزت دروساً كثيرة ستعمل مراكز الأبحاث العسكرية على الإفادة منها، كاستخدام الذكاء الصناعي في العمل الاستخباري، وليس أقل أهمية منه ترصين الجبهة الداخلية، لأن الخرق الداخلي وقوده المواطن الفقير والمقهور من قبل السلطة، فضلاً عن رفع وعي المواطن في أن الوطن غير السلطة، وهذا ما ظهر جلياً في إيران عندما وقفت التيارات التي تختلف مع النظام ضد الهجوم الإسرائيلي.