أ.د.خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراق الحديث و المعاصر
بين بغداد وأربيل تتأرجح العلاقة بين الشراكة والصراع، بين وحدة وطنية مأمولة وخلافات سياسية مزمنة. ورغم ما تحمله الذاكرة من توتر، فإن الواقع يفرض حوارًا عقلانيًا يُعيد ترتيب الأولويات. فالسؤال لم يعد من المخطئ، بل كيف يمكن تحويل هذا الخلاف إلى فرصة لبناء دولة عادلة ومتوازنة. العراق لن ينهض إلا إذا كفّ عن النظر إلى الإقليم كخصم، وبدأ يتعامل معه كشريك. فحين تُحسم المعادلة لصالح الوطن، يكسب الجميع،
فمنذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، ظلت العلاقة بين العاصمة والأطراف ،ولا سيما مع إقليم كوردستان ،حبيسة التوترات السياسية، والتنازع على الصلاحيات والثروات و اثبات الوجود القومي، وغياب المشروع الوطني الشامل.
وقد تفاقمت هذه الفجوة بسبب غياب سياسات العدالة والمساواة واتباع منهج الاقصاء و التهميش، مما أضعف ثقة المواطن الكوردي بالدولة الاتحادية.
غير أن المتغيرات الإقليمية والدولية، إلى جانب التحديات البنيوية التي يواجهها العراق اليوم، من فساد مزمن، وتراجع بيئي، وشح في الموارد المائية، وانهيار في قطاعات الزراعة والصناعة، تفرض إعادة النظر في العلاقة بين بغداد وأربيل، بوصفها علاقة يجب أن تنتقل من منطق التنافس والصراع إلى منطق الشراكة الاستراتيجية والتكامل التنموي.
فالوحدة الوطنية لا تتحقق عبر الإجراءات الأمنية أو الشعارات المركزية، بل عبر بناء شعور جمعي بالانتماء والمساواة. والمواطن الكوردي – بعد عقود من الإقصاء والتهميش – لا يمكن استعادته إلى حضن الدولة إلا عبر الاعتراف بحقوقه الدستورية واحترام خصوصيته القومية والإدارية.
إن حل الملفات العالقة بين بغداد وأربيل (الرواتب، النفط، المناطق المتنازع عليها، الموازنة، الشراكة الحقيقية ) لا يمثل فقط استحقاقًا قانونيًا، بل هو مدخل حقيقي لإعادة بناء الثقة الوطنية. فالدولة التي لا تعترف بتنوعها، وتُصر على إضعاف أحد أجزائها، لا يمكنها أن تبني وطنًا مستقرًا.
هناك من يروّج لفكرة أن ازدهار أقليم كوردستان يشكل خطرًا على الدولة الموحدة، وهي مقولة لا تصمد أمام التحليل الاقتصادي والواقعي. فكوردستان – بما تملكه من موارد بشرية وطبيعية، وموقع جغرافي استراتيجي، وبنية تحتية متقدمة نسبيًا – يمكن أن تتحول إلى رافعة اقتصادية للعراق بأكمله، إذا ما تم دمجها ضمن رؤية وطنية تنموية شاملة.
كل تطور في البنية التحتية في كوردستان يعني زيادة فرص التبادل التجاري مع الوسط والجنوب، وتنشيط سلاسل الإمداد، ورفع الناتج المحلي الإجمالي. كما أن دعم المركز لمشاريع الزراعة والصناعة والسياحة في الإقليم سيخلق تكاملًا اقتصاديًا فعّالًا، يُخرج العراق من حالة الاعتماد الأحادي على النفط.
إن التحديات الكبرى التي تهدد العراق لا يمكن حلها عبر مركزية القرار، بل تحتاج إلى شراكات حقيقية بين المركز والأقاليم والمحافظات. وكوردستان، بما تمتلكه من خبرات إدارية واستثمارات قائمة في قطاعات الطاقة والزراعة والخدمات، يجب أن تكون شريكًا في إنتاج الحلول لا مجرد متلقٍ للقرارات.
إن حصر الموارد في العاصمة أو فرض الوصاية على الإقليم لا ينتج إلا مزيدًا من الاحتقان والتراجع. أما دعم التنمية في كوردستان فيعني تفعيل طاقات معطلة منذ عقود، وإعادة توزيع الثروة بشكل عادل، وتجاوز عقدة المركزية السياسية التي أثبتت فشلها.
إن الحاجة اليوم ماسة إلى إعادة صياغة العلاقة بين بغداد وأربيل على أساس عقد اجتماعي وتنموي جديد، يقوم على احترام الدستور، والاعتراف المتبادل، وتكامل الأدوار، وعدالة التوزيع. هذا العقد يجب أن يتجاوز منطق “تقاسم السلطة” إلى منطق “إنتاج الدولة”، حيث يكون الإقليم فاعلًا أساسيًا في السياسات الاقتصادية، والشبكات اللوجستية، والخطط الزراعية والصناعية، والمشاريع الوطنية الكبرى.
الاستثمار في كوردستان – سواء من خلال دعم الميزانية أو تعويض الأضرار أو تمويل المشاريع – ليس منّة، بل هو التزام وطني يهدف إلى تصحيح اختلالات تاريخية، وبناء عراق متماسك تنمويًا واجتماعيًا.
نهضة أقليم كوردستان لا تمثل تهديدًا لوحدة العراق، بل تشكل فرصة تاريخية لبناء شراكة متوازنة قائمة على الإنصاف والمواطنة. فالوحدة لا تُبنى بالإقصاء أو الخوف من الآخر، بل بالعدالة، والاحترام، والتكامل الاقتصادي والإداري. وكل تطور في كوردستان هو استثمار مباشر في استقرار العراق وازدهاره. العراق الذي يريد الخروج من أزماته المزمنة لا يمكن أن ينجح إلا إذا احتضن تنوعه، واعتبره مصدر قوة لا ضعف. لقد آن الأوان لإعادة تعريف العاصمة بوصفه راعيًا للتكامل، لا خصمًا للأطراف.