مهند الصالح
المجتمع الذي لايستطيع وضع القمامة في مكانها المناسب كيف له ان يضع الرجل المناس في مكانه المناسب
في زوايا الشوارع، وتحت لافتات “حافظ على النظافة”، تُلقى القمامة بكل لامبالاة، وكأنها جزء من الديكور اليومي. في ذات المجتمع، تتعالى الأصوات مطالبةً بـ”الرجل المناسب في المكان المناسب”. لكن، كيف لمجتمع لم يتعلّم بعد أن يضع قمامته في الحاوية، أن يُحسن اختيار مسؤول أو قائد يُخرج الأمة ؟
النفايات ليست مجرد مخلّفات، بل مؤشر ثقافي. حين ترى حيًّا نظيفًا، فأنت ترى خلفه وعيًا جمعيًا واحترامًا للنظام. أما حين تتحوّل الشوارع إلى مكبّات مصغّرة، فذلك يعبّر عن خلل أعمق من مجرد “كسل” أو “غياب خدمات”؛ هو خلل في علاقة الإنسان بمحيطه، وفي تقديره للدور الفردي في الصالح العام.من القمامة إلى السياسة: العلاقة أوثق مما نعتقد الذي لا يملك حسًّا بالمسؤولية تجاه نظافة شارعه، غالبًا لا يملك ذات الحسّ عندما يُطلب منه اختيار من يمثّله. فالتصويت مثل رمي القمامة؛ كلاهما قرار فردي ينعكس على الجميع. فكما تلوّث قطعة قمامة الشارع كله، يلوّث اختيار غير مسؤول العملية السياسية بأكملها.لا يمكن أن ننتظر حلولاً من الأعلى في مجتمع لم يُصلح الأساس. التربية على النظام، احترام القانون، والمسؤولية الفردية، هي اللبنات التي تُبنى بها المجتمعات القادرة على إنتاج قيادات حقيقية. “الرجل المناسب” لن يظهر في مجتمع لا يُنتج إلا الفوضى، لأن القادة لا يهبطون من السماء، بل يُفرزهم المجتمع ذاته.ربما آن الأوان أن نُدرك أن الإصلاح لا يبدأ من قصور الحكم، بل من الأرصفة. من علبة عصير نُعيدها إلى الحاوية، من طفل نعلّمه ألا يرمي غلاف الحلوى في الطريق، من مواطن يُدرك أن صوته الانتخابي ليس نكتة، بل أمانة.المجتمع الذي لا يستطيع أن يضع القمامة في مكانها المناسب، لن يضع الرجل المناسب في مكانه. فالاثنان فعلان مرتبطان بجذر واحد: الوعي. وهذا الجذر إما أن يُروى بالتربية والقدوة، أو يذبل في فوضى العشوائية والتسيّب .