محمد علي محيي الدين
في قصيدته اللافتة “ويسيلُ المذياعُ دماً”، يقدّم الشاعر العراقي موفّق محمد لوحة شعرية تستحضر طفولةً عراقيةً فقيرةً، لكنها مفعمة بالرضا والبساطة، قبل أن تمزّقها فوهات البنادق، ويغمرها صوت المذياع لا بالأخبار، بل بالدماء.
يكتب الشاعر هذا النص بلغةٍ مشبعة بالحس الشعبي، مستندًا إلى ذاكرة جمعية عاشتها أجيال ما بعد الملكية، ممن كبروا على أصوات الشعارات، وانتهوا ضحايا لحوارات لا تجري بالكلمات، بل “بفوهات البنادق”، كما يقول في موضع موجع من القصيدة.

القصيدة تنطلق من مشهد طفولي، حيث يعيش أبناء الحارات الضيقة في كنف الفقر النبيل:
“كنّا نعيشُ في أزقةٍ ضيقةٍ، وبيوت أضيق منها
فرحين بما آتانا اللهُ من الرزق الحلال”
هذا الفرح البسيط، المشبع بالقناعة وبهجة الاكتشاف، سرعان ما يُقابل بالخذلان، حين يتحوّل الحكم الجديد، الذي بشّروا به، إلى أداة للقمع والاختفاء القسري. الأخ الذي جاء بعد سبع بنات، يختفي فجأة، ويُصعد “بالبيك أب”، كما تقول الأم، ويُحاورونه لا بالحجّة، بل بالسلاح. المفارقة هنا مريرة، لأن الطفل لا يفهم السياسة، لكنه يرى أمّه تبكي، ويشعر بالفقد من غير أن يقدر على تسميته.
موفّق محمد لا يكتفي بوصف هذا التحوّل التراجيدي، بل يربط الطفولة بما يشبه الفطرة السياسية المغدورة. ففي أحد المشاهد، يسأل المعلم تلاميذه عن فائدة الأظافر، فيجيبون بسذاجة: “إنكصع بيها كمل”، أي “ننتف بها القمل”. يضحك المعلم، لكنهم لا يفهمون سبب ضحكه إلا بعد سنوات، حين تصبح ضحكة المعلم رمزًا لمرارة الوعي.
عنوان القصيدة “ويسيلُ المذياعُ دماً” يحمل دلالة رمزية مكثفة؛ فالمذياع الذي يفترض أن يكون أداة تنوير، يتحوّل إلى أداة ترويج للعنف والتغوّل. إنه يرشّ الدم لا الكلمات، ويغدو الشاهد والمشارك في حفلة القمع الجماعي. بهذا العنوان، يختصر الشاعر انهيار العلاقة بين الدولة والمواطن، بين الإعلام والحقيقة، بين الطفولة والمستقبل.
لغة الشاعر تنوس بين الفصحى والدارجة العراقية، دون أن تفقد شعريتها أو عمقها. هذا التوظيف الذكي للعفوية اللغوية يمنح القصيدة صدقًا داخليًا، ويجعلها تدخل قلب القارئ كما تدخل الحكايات الشعبية إلى وجدان سامعيها.
ما بعد القصيدة: صوت لم ينكسر
ليست هذه القصيدة مجرد نص شعري، بل شهادة على جيلٍ عاش تحت ظلال الشعارات الكبرى، وخرج منها مثخنًا بالخذلان. إنها ليست دعوة للبكاء على الماضي، بل تذكيرٌ صارخ بأن براءة الشعوب لا تحميها من بطش السلطة، وأن الطفل الذي يهتف للصف الأول، قد يصبح فجأة “أخًا مفقودًا” لا تعرف الأم أين ذهب.
في “ويسيلُ المذياعُ دماً”، ينجح موفّق محمد في تلخيص سردية عراقية كاملة، في قصيدة واحدة. إنها مرثية جيل، ولكنها أيضًا صرخة حيّة في وجه النسيان.