لأني افتقدك، أتسكع في الشوارع ثملا
احتضن بعينيك في كفي
لا لن أعيدها إليك
نصرت مردان

د. توفيق رفيق التونچي
هذه الكتابات لشاعرنا الكبير عبد الوهاب البياتي كتبها بخط يده وحسب علمي لم ينشر من قبل وهي تدور حول الشعر والشعراء اللذين التقوا به او عرفهم من شعرهم وانتمائهم الفكري الإنساني وفي كافة إرجاء العالم.
كنت قد حصلت علىً هذه الوثائق منذ أربعة عقود ونيف عن طريق صديقي المرحوم الشاعر نصرت مردان حين كان مدرسا في جامعة صلاح الدين في إربيل عاصمة اقليم كوردستان . احتفظ بصورة للنص المكتوب بقلم شاعرنا الكبير الذي التقيته حين كان مستشارا ثقافيا وأعتقد كان بعد عودته من مدريد حيث عمل في القنصلية الثقافية العراقية فيها. التقيت به وزرته في مكتبه في وزارة الثقافة والإعلام في بنايتها الواقعة في شارع الجمهورية وقرب ساحة التحرير عام ١٩٧٦ وتحدثنا كثيرا عن الحياة في تركيا حيث كنت لا أزال أواصل دراستي الجامعية فيها. هذه الكتابات تعتبر تاريخيّة ولذا ارفق معها الكلمات الختامية بتوقيع الشاعر كوثيقة تاريخيّة.
الأندلس
20250612
نار الشعر التي لا تحبو
العلاقة الشخصية لا تكفي وحدها، لقدح زناد شرارة الشعر بين كائنين . فما اكثر الطيوف والأشباح العابرة في حياتنا ، التي تأخذ شكل الأصدقاء والقرناء . أما اذا اشتعل أو قدح شيء أصيل خلاق مشترك ، فتصبح القضية عند ذلك أعم وأكبر وأعمق وأبعد . ان الملهم الإنساني هو أحد هذه الأمشاج الأسطورية التي تتبلس العلاقة الشخصية. فتحيلها إلى حدث تاريخي، له جبروت البرهة التاريخية والأسطورية. وكانت علاقتي بناظم حكمت من هذا الجبروت، الذي وحد بينا :
المصير المشترك ، الإعجاب المتبادل، المنفى ، القضية ، التقارب في الرأي. وأولاً وأخيراً :
الشعر و عذاباته ومكابداته .
ثم وهذا هو الأعظم : انك أمام كائن متوج بهالة العظمة ومهابة الشعر وجلاله ، وهو ينظر اليك : نداً وأخاً وصديقاً و جواب آفاق، وشاعراً ، كما ينظر إلى نفسه في المرآة ، فيصرخ : لقد وجدتك – يا صنوي وأخي وصديقي. وتلك مفخرة كبيرة من مفاخر شاعرية ناظم حكمت .
فما الذي حدث ؟ لقد رحل هو ، وتركني هنا وكان علي أنا أن أرحل أيضاً ، ولكن ، إلى أين ؟ لقد ر حلت متخذاً طريقاً آخر. ولكني بعد رحيلي ، لم أره مرة أخرى ولم أتحدث اليه لأن الموت الرفيق الدائم لجميع البشر، كان قد حمله ومضى الى الأرض التي لم نزرها ، نحن ، بعد . كان الأمر ، أقل تقليل ، فداحة – مع بابلو نيرودا ، فشعره كان أكبر من صداقتي الشخصية له. وبابلو من تلك الكائنات الأسطورية المجنحة ، التي تتعلق بروائحها و آيا تها ، أكثر مما تتعلق باجنحتها المرتحلة، دائماً وأبداً . وأرى من الصعوبة ، بمكان، أن أفتح سجلاً كونياً طويلاً بأسماء أصدقائي الشعراء الكبار الآخرين دون أن أفقد أحداً منهم. ولكن علي أن أتوقف ، هنا، قليلاً أمام معجزة أخرى الا وهي الشاعر الاسباني الكبير رفائيل ألبرتي ، الذي قهر الموت والفاشية والشيخوخة ، وانتصر أخيراً بعد موت دكتاتور اسبانيا الراحل فرانكو. علي أن أتوقف أمام عاشق أو مجنون ( الزا) شاعر المقاومة والحب لويس اراگون الذي كان لمجلته ( الآداب الفرنسية ) فضل نشر قصائدي واحتضانها ، عندما خيم الليل على كثير من بقاع هذا العالم . وهناكً اسماء كبيرة وكثيرة أخرى لا يتسع المجال ، لكي أطوف حولها ، وأنا أتأمل وجهي في المرآه وأقول له :
ها نحن معاً . من خلال هذا ، أرى أن اللهم الإنساني المتوج بهالة الشعر ، كان أقوى ، بل كان يقف الى جوار العلاقة الشخصية التي ربطتني ببعض هؤلاء الأفذاذ. فعندما كتبت قصيدتي ( الى رفائيل ألبرتي) التي نشرتها وأعادة نشرها معظم الصفحة العربية والأجنبية ، ونشرت بعد ذلك في ديواني ( قمر (شيراز) كنت أحس احساساً عميقاً ، انني لم أتوجه في هذه القصيدة الى رفائيل ألبرتي الصديق والشاعر والمناضل حسب، بل كنت أتوجه بكل خلية حية من خلايا كلماتي الى الشعب الأسباني سباني الذي كان لا بد أن ينتصر على الدكتاتورية والليل. وكنت أرى في ( ألبرتي ) رمزاً لذه الشعب العظيم الذي أنجب لوركا وما شادو و میگویل هرناندز و بيكاسو . وقد انتصر الشعب الأسباني فعلاً ، بالرغم من العذابات والليل الطويل. إن التضامن الشعري بين الشعراء ، لا يعني التضامن الفردي بين هذا الشاعر أو ذاك، بل يعني التضامن الروحي والمادي بين الشعوب المفاضلة من أجل الحرية والعدالة والديمقراطية، من خلال قصائد شعرائها. وليس القدر وحده ولا الصدفة ، هي التي جمعتني أيضاً بالشاعر الأميركي روبرت لويل (توفي مؤخراً ) منذ سنوات في القاهرة، حيث زارها ، ليلقي محاضرة . أو ربطتني بالشاعر گريگوري كورسو، الأميركي الذي يتضور جوعاً في باريس ، هذا الطوفان البركاني الضوئي الذي يسبق العاصفة والمطر ، ويتسلل من خلال كلمات قصائده عاصفة شعرية ، نسبح وحدها. ولن أنسى الشاعرة التترية السوفيتية ( بيلا أحمد ولينا ) الكاهنة التي جمعت بين مهنة الحب المقدسة ونوره القاتل ، ومهنة الشعر. والسوفيتي تلميذ باسترناك ، ونده الآن ، وصنوه: اندريه فوزينسيكي ، هذا الشاعر ذو الصوت الذهبي والموهبة الأسطورية التي جعلت من ساحات وحدائق وقاعات الاتحاد السوفيتي والعالم : ملعباً لالهة الشعر ، وجعلت أبسط الناس يتوهجون لدى سماع قصيدة واحدة له.
وتظل القائمة تطول لتشمل أسماء أخرى من أسبانيا واليونان وفرنسا وتركيا ورومانيا وبلغاريا والدنمارك وبولنده وايطاليا والنمسا وكندا والسويد والدنمارك والزويج وألمانيا واندنوسيا والهند واليابان ويوغسلافيا وهنغاريا وإيران وجيكو سلوفاكيا (قبل التقسيم) وتشيلي وكوبا وغواتيمالا : شعراء من مختلف الأجيال ومختلف المدارس والاتجاهات الشعرية ، بعضهم يتكلم أو يعرف اللغات التي أعرفها أو أتكلم بها . وبعضهم تم اللقاء بيني وبينهم لكي تكون أصدقاء الى الأبد – بواسطة شخص ثالث يترجم لنا ، لأنهم كانوا لا يعرفون الا لغتهم القومية . وكم كان ويكون اعتزازي كبيراً عندما أستلمت أو استلم من هؤلاء الأصدقاء الأفذاذ المبثوثين في جميع أنحاء العالم : كتباً وهدايا ورسائل وترجمات لقصائدي أو مقالات كتبوها عني، بالرغم من أن بعضهم، لا يمارس النقد؛ بل انه كتب ما كتب، ليعبر عن اعجابه ، وليؤكد عن التضامن الشعري القائم على الأخلاص للشعر : الذي هو أعظم نعمة نادرة في حياتنا . و لعل من أعظم الهدايا الشعرية التي تلقيتها في حياتي في كتابات ناظم حكمت عني في أحلك سنوات حياتي ، وكذلك كثير من الكتابات والترجمات والقصائد التي أهداها الي شعراء بارزون من جميع قارات العالم .
ولم تكن أخيرها كتابات الشاعر التركي البارز حسن حسين والشاعر الكبير مليح جودت اندامي ، الذي ترجم بعض قصائدي بأسلوبه الشعري الرائع ونشرها منذ سنوات قريبة في مجلة (الوجود ) التي تصدر في إستانبول . وليس أخيرها أيضاً ترجمات الشاعر تو رگايي كونج بمساعدة صديقي الكاتب القصصي نصرت مردان وقد أسعدني ، أنني تلقيت بعد نشر ترجمات الشاعر تو رگاي لقصائدي في المجلات التركية ، رسالة من الشاعر وزير الثقافة في تركيا سابقاً البروفسور طلعت هالمان المحاضر في جامعة برنستون في الولايات المتحدة ، ذكر فيها :
“انه يعتز بشاعرية توركاي ويعتبره من طليعة الشعراء الشباب ، وانه أحس وهو يقرأ قصائدي المترجمة بقلمه كأنه يقرأ شعراً كتب بالتركية مباشرة. ”
وهكذا يدور الزمن الشعري، وهكذا يركز الشعراء راياتهم في سماء كوكبنا الأرضي.
عبد الوهاب البياتي
بغداد ١٢/٦/١٩٧٧
