نبيل خالد مخلف – باحث واكاديمي
تشهد منطقة غرب إفريقيا تغيرات جذرية في بنية التعاون الإقليمي، بفعل تصاعد التوترات والانقسامات السياسية، ويُعد انسحاب مالي وبوركينا فاسو والنيجر رسمياً من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (الإيكواس) في يناير 2024، محطة مفصلية في مسار التكامل الإقليمي، ورغم منح الإيكواس مهلة ستة أشهر لتنظيم عملية الانفصال، فإن المفاوضات لم تنطلق بعد، الأمر الذي يعكس تعقيد المشهد السياسي الإقليمي.
تحديات الإيكواس في ظل الانقسام
تواجه الإيكواس تحديين متزامنين: الاحتفال بذكرى تأسيسها الخمسين، والتحضير لقمة استثنائية لمناقشة مستقبل التعاون الإقليمي، وفي حين تسعى المنظمة لإعادة دمج الدول المنسحبة، أطلقت غانا مبادرة وساطة جديدة خلال اجتماع وزراء الخارجية في أكرا (أبريل 2024)، لكن المؤشرات الحالية لا توحي بقرب عودة تلك الدول. وفي مقابل ذلك تعتمد الأنظمة العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر خطاباً مناهضاً للإيكواس وللتأثير الغربي، مستغلةً إخفاقات المنظمة في إدارة الأزمات السياسية. بالتالي، لا تستطيع الإيكواس التخلي عن مبادئها في دعم الديمقراطية والحوكمة لاسترضاء الدول المنسحبة، خاصة في ظل الجداول الزمنية الطويلة التي حددتها هذه الدول للانتقال السياسي.
استمرار المصالح الاقتصادية رغم الانقسام
رغم التوترات السياسية، لا تزال المصالح الاقتصادية عاملاً موحداً فالاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب إفريقيا (WAEMU) يواصل تسهيل التجارة وحركة رؤوس الأموال بين دوله، مثل السنغال وكوت ديفوار وتوغو، إلا أن المفاوضات المستقبلية مع الدول غير المنضوية في الاتحاد، مثل نيجيريا وغانا، ستكون أكثر تعقيداً نظراً لثقلهما الاقتصادي. وعلى هذا الأثر يمكن القول لقد أدى انسحاب الدول الثلاث إلى تداعيات إدارية ومالية داخل الإيكواس، من أبرزها تسريح أكثر من مئة موظف، إضافة إلى تعليق عدد من المشاريع المشتركة، كما تواجه المنظمة تحديات في تسوية التزاماتها المالية المتعلقة بمشروعات البنية التحتية التي تعتمد على التمويل والتخطيط الإقليمي المشترك.
ملامح تحوّل براغماتي في الإيكواس وتشكّل نظام إقليمي جديد
بدأت بعض دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (الإيكواس) تتجه نحو تبني نهج براغماتي أكثر واقعية في التعامل مع الأزمات الإقليمية، خاصة تلك المتعلقة بدول الساحل وخليج غينيا، فقد انعكس انتخاب الرئيس الغاني جون دراماني ماهاما على السياسة الخارجية لبلاده، حيث أطلق مساراً دبلوماسياً مرناً تجاه هذه الدول، وهو ما شكل تحولاً مهماً في توجهات غانا الإقليمية، كما عبّرت دول مثل السنغال وبنين عن استعدادها للتعامل بواقعية مع الأوضاع الأمنية والسياسية، مما قد يمهّد الطريق لإعادة صياغة العلاقات داخل الإيكواس على أسس أكثر عملية وأقل أيديولوجية. وفي هذا السياق، برز تحالف دول الساحل كمجموعة أكثر انسجاماً، لا سيما في طريقة إدارتها لانسحابها من الإيكواس، من خلال تبني استراتيجية تفاوض موحدة منحتها ميزة نسبية في أي مفاوضات مستقبلية، ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه المؤشرات على بروز نظام تعاون إقليمي جديد، يقوم على البراغماتية السياسية بدلاً من الالتزام المطلق بالمؤسسات التقليدية أو الانتماءات الأيديولوجية. ويعكس التوجه الجديد اهتمام دول مثل غانا وتوغو بتعزيز علاقاتها مع الوكالة الإفريقية للأمن الغذائي، في محاولة لتأمين منافذ تجارية للدول غير الساحلية وتحقيق الأمن الغذائي عبر شراكات مرنة. كما بدأت مظاهر التعاون الأمني تتخذ أشكالًا غير مؤسسية، كالدوريات الأمنية المشتركة بين السنغال ومالي، والاتصالات الأمنية الثنائية المباشرة بين نيجيريا والنيجر، ما يشير إلى تصاعد التعاون الثنائي في ظل غياب إطار أمني إقليمي موحد. في المجمل، توحي هذه التحركات بأن الإقليم يتجه نحو مرحلة جديدة تقوم على البراغماتية كخيار استراتيجي، ما قد يعيد رسم خريطة التحالفات الإقليمية ويؤسس لنظام تعاون أكثر مرونة وفعالية.
خيارات بديلة وقيادة محتملة
يبرز “مجلس الوفاق”، الذي يضم خمس دول من غرب إفريقيا ومالي كمراقب، كمنصة غير رسمية مرنة للحوار الأمني والسياسي بعيداً عن البيروقراطية المؤسسية للإيكواس، ومع اقتراب تولي نيجيريا رئاسة المنظمة في يوليو 2025، تزداد الحاجة إلى تبني مقاربة جديدة أكثر انفتاحاً وواقعية، مع الحفاظ على ثوابت الإيكواس، ويُتوقع أن يشكّل محور نيجيريا وغانا والسنغال نواة لمسار إصلاحي يُبقي المنظمة فاعلة ومواكبة للتحولات الجيوسياسية.