فينوس بابان
لم يكن وضع حجر الأساس لـ جامع بارزاني الكبير في عاصمة إقليم كوردستان أربيل، مجرد مراسم بروتوكولية عادية لإطلاق مشروع إعماري جديد بل كان إعلاناً سيادياً بالخط العريض وزلزالاً فكرياً ووثيقة جيوسياسية وحضارية غُرزت في أعماق تراب كوردستان بقرار حاسم.
حين يقرر رئيس حكومة إقليم كوردستان السيد مسرور بارزاني، في هذا التوقيت بالذات تشييد صرح ثقافي وروحي يحطم المقاييس العالمية على مساحة هائلة تتجاوز مليوني متر مربع، فهو لا يبني مكاناً تقليدياً للعبادة بل يمارس فعل قوة وفلسفة قيادة تقلب موازين النفوذ الثقافي والحضاري في الشرق الأوسط، إنها مقدمة لزمن كوردستاني جديد يضع القيادة والشعب في موضع المبادر لا المتلقي ويُخبر العالم صراحةً: إن إقليم كوردستان الذي ناضل عقوداً من الزمن بوجه آلات الإبادة وطمس الهوية بات اليوم يقود قفزات الهندسة العالمية ويصنع التاريخ ويثبت سيادته برؤية قيادية صلبة وعمارة شاهقة لا تقبل المحو أو النسيان.
خلف هذا المشروع الاستثنائي وغير المسبوق تكمن حزمة من الدلالات السياسية، الاقتصادية والثقافية التي تبرهن على ذكاء الخطوة الجريئة لرئيس الحكومة ويمكن تفكيكها عبر المحاور الاستراتيجية التالية:
فلسفة الجرأة وقوة رئيس الحكومة في تحدي الازمات
في توقيت إقليمي ودولي معقد يعج بالتحديات السياسية والضغوط الاقتصادية والاضطرابات المحيطة بالمنطقة يأتي إطلاق مشروع استثماري وحضاري بهذا الحجم ليعكس صلابة الإرادة السياسية وقوة رئيس الحكومة السيد مسرور بارزاني، هذا التصرف الحازم يبعث برسالة ثقة حديدية إلى الداخل والخارج ومفادها أن كوردستان تمتلك النفس الطويل والاستقرار الأمني والبيئي الذي يؤهلها للتخطيط لقرون قادمة، إنها خطوة ذكية أجهضت كل مراهنات الخصوم الذين انتظروا إنهاك الإقليم أو تحجيم دوره فجاء الرد بالبناء الاستراتيجي الذي لا تزلزله الأزمات العابرة.
هندسة الهوية.. الخيمة الكوردية في مواجهة الأيديولوجيات العابرة
إن تفكيك التصميم الهندسي للمبنى الرئيسي للجامع والمستوحى بالكامل من (الخيمة الكوردية التقليدية المصنوعة من شعر الماعز الأسود) يحمل دلالة أنثروبولوجية وتاريخية تهز الوعي الجمعي: هذا التصميم يمثل دمجاً عبقرياً وفريداً بين الخصوصية القومية الكوردية والقيم الروحية الإسلامية، إنه يؤكد أن الإسلام في كوردستان لم يكن يوماً أداة لطمس الهوية أو صهر القومية بل كان متناغماً مع الجبل والتراب والأصالة الكوردية.
تحويل الخيمة التي ترمز في الوجدان الكوردي إلى الملاذ الآمن والشهامة وكرم الضيافة واللجوء وقت الشدائد إلى سقف لأكبر تجمع روحي وحضاري، هو إعادة اعتبار للرواية التاريخية الكوردية ونقلها من خانة المظلومية التاريخية إلى خانة العظمة والسيادة الحضارية.
ثورة التنمية المستدامة وتوطين العبقرية المحلية
لم يغفل رئيس حكومة إقليم كوردستان البُعد العصري والبيئي للمشروع، فاحتوائه على مليون شجرة وأكبر شلال اصطناعي بارتفاع 48 متراً يضع كوردستان في صدارة الكيانات التي تدمج العمارة بـ المعايير البيئية العالمية ومكافحة التغير المناخي وهي القوة الناعمة المفضلة لدى المجتمع الدولي اليوم والتي ترفع من أسهم الإقليم في المحافل الدولية. أضف إلى ذلك أن الإشراف والتنفيذ يتم بواسطة طاقات وشركات محلية كوردستانية ، مثل مجموعة غراف المحلية وهذا يعكس ذكاء رئيس الحكومة في توطين المعرفة ودعم القطاع الخاص الوطني وخلق آلاف فرص العمل للشباب الكوردي مما يحول المشروع من مجرد صرح ديني إلى محرك اقتصادي وتنموي متكامل يثبت كفاءة العقل الكوردي.
تحطيم المقاييس العالمية ومأسسة الذاكرة والأمن الفكري
بمساحته الشاسعة واحتوائه على مواصفات قياسية حطمت الأرقام العالمية، من أكبر قبة وأعلى بوابة وأكبر سجادة في العالم، يتحول المشروع إلى معلم سيادي وسياحي عالمي يجذب الأنظار عالمياً ويوجه حركة السياحة الروحية والثقافية نحو أربيل.
ولكن الأهم من الخرسانة هو الشق الفكري، حيث يضم المشروع مكتبة ضخمة وأكبر أرشيف للمخطوطات الكوردية والدينية ومتحفاً خاصاً بالتاريخ ومدرسة دينية، هذا التوجه الاستراتيجي يحمي الذاكرة الجمعية للإقليم من التشويه ويسحب البساط تماماً من جماعات الإسلام السياسي المتطرف أو الأجندات الخارجية التي تحاول استغلال العاطفة الدينية للشباب ليقدم بدلاً عنها نموذجاً حياً للإسلام التنويري الوسطي المتناغم مع بنية الدولة والمجتمع.
المقترح المرفوع لسيادة رئيس الحكومة.. مأسسة التآخي الكوني
بمنتهى التقدير والتحليل الذكي لأبعاد هذا الصرح العظيم ولأن رؤية سيادتكم تهدف دائماً إلى ترسيخ مكانة كوردستان كمنارة عالمية للتسامح وقبول الآخر نقترح بكل احترام دراسة إمكانية إلحاق المبادرات الاستراتيجية التالية بهذا المشروع الاستثنائي عند اكتماله لتعزيز رسالته عالمياً:
تأسيس معهد بارزاني الدولي لحوار الأديان والسلام.. ليكون مركزاً أكاديمياً وبحثياً عالمياً مرتبطاً بالصرح، يستضيف سنوياً قادة الفكر وممثلي الأديان كافة (المسلمين، المسيحيين، الإيزيديين الكاكائيين، وغيرهم) لصياغة مواثيق دولية تنبذ التطرف والكراهية وتدعم السلم المجتمعي.
جناح التآخي والعيش المشترك في المتحف.. تخصيص قسم بارز ومتطور في متحف المشروع يوثق بالوثائق والمقتنيات والصور تاريخ التعايش الأسطوري في كوردستان، كيف حمت الجبال والقرى الكوردية التنوع الديني وعاش الجميع معاً عبر العصور وكيف تقاسمت المكونات الخبز والنضال والدفاع عن الأرض.
مكتبة المخطوطات المسكونية الشاملة.. ألا تقتصر المكتبة على المخطوطات الإسلامية فحسب بل أن تتبنى جمع وتحضير وحفظ المخطوطات السريانية، الآرامية والإيزيدية القديمة، ليتحول الصرح إلى الحارس الأمين لإرث الشرق الأوسط الحضاري برمته، مما يجعله قبلة أولى للباحثين والمستشرقين من شتى بقاع الأرض.
خيمة كوردستان التي تتسع للإنسانية
إن جامع بارزاني الكبير ليس مجرد ثورة في عالم الخرسانة والعمارة والأرقام القياسية بل هو تجسيد حي لرسالة كوردستان الأزلية الموجهة إلى الإنسانية وإلى جميع الأديان والمكونات في المنطقة والعالم، ومفادها: إن اليد القيادية التي تبني أعلى المآذن وأكبر الجوامع في كوردستان هي ذاتها اليد التي تحمي الكنائس وتصون المعابد وتقدس التعددية والتنوع الديني والقومي.
لقد أثبت السيد مسرور بارزاني بهذا التصرف القيادي الحكيم والشجاع أن قوة الدول لا تُقاس فقط بحجم ترسانتها العسكرية بل بقدرتها على تحويل التحديات والاضطرابات السياسية إلى معالم حضارية خالدة تتحدى الزمن وتخدم الأجيال القادمة، إن هذا الصرح هو خيمة كوردستان الكبرى التي ستبقى مآذنها الشامخة وقبتها العظيمة وحدائقها الممتدة شاهدةً على مر العصور بأن كوردستان كانت وستظل أرضاً للأصالة، وحصناً للحرية وواحة للتعايش الإنساني الذي لا ينحني أمام العواصف.