الكوردايتي .. أين نحن منها اليوم؟

 

 

كاميران حاج عبدو

الكوردايتي ليست مجرد كلمة أو شعار، بل هي مبدأ وجداني وسياسي واجتماعي يجب أن يكون الأساس في كل موقف يُتخذ بشأن القضية الكوردية. إنها تعني أن تكون مصلحة الشعب الكوردي فوق كل اعتبار، وأن تكون حقوقه وحريته وكرامته الهدف الأسمى لكل تحرك، بعيداً عن المصالح الضيقة، والأجندات الخارجية، والتجاذبات الحزبية. ولكن عندما ننظر إلى الواقع الحالي، لابد أن نتساءل بجدية: أين نحن اليوم من الكوردايتي؟

 

بين المبادئ والواقع

لو نظرنا إلى تاريخ الحركة الكوردية، لوجدنا أن لحظات الوحدة الحقيقية، التي كانت فيها المصلحة القومية الكوردية فوق كل شيء، كانت نادرة مقارنة بفترات الانقسام والتناحر الداخلي. ورغم أن الكورد واجهوا عبر التاريخ اضطهاداً مشتركاً من قبل الأنظمة الحاكمة في الدول التي يتوزعون فيها، إلا أن السياسات الكوردية كثيراً ما تأثرت بالخلافات الحزبية والتبعية للقوى الإقليمية والدولية، مما أدى إلى إضعاف الموقف الكوردي على المستويين المحلي والدولي.

 

في بعض الأحيان، تحولت الأحزاب الكوردية إلى أدوات في صراعات إقليمية، وبدلاً من أن تعمل بروح الكوردايتي، باتت مواقفها مرهونة بالمصالح الآنية والتحالفات الخارجية. هذه الحالة جعلت الكثير من أبناء الشعب الكوردي يشعرون بالإحباط، لأنهم يرون أن الأولوية أصبحت للمصالح الحزبية والشخصية بدلاً من القضية الوطنية الكبرى.

 

الكوردايتي بين الشعارات والتطبيق

لاشك أن الجميع يتحدث عن الكوردايتي، لكن الاختبار الحقيقي لهذا المبدأ يكمن في الأفعال وليس الأقوال. فهل نستطيع اليوم القول إن القرارات التي تُتخذ تخدم المصلحة الكوردية العليا دون تحيزات حزبية أو ارتباطات خارجية؟ وهل الخطاب الكوردي الموحد حاضر على الساحة الإقليمية والدولية، أم أن كل طرف يسعى لفرض رؤيته دون اعتبار لمبدأ الوحدة القومية؟.

 

إن الكوردايتي تعني أن يكون الخطاب الكوردي موحداً في المحافل الدولية، وأن يكون الهدف الأساسي هو تحقيق الحقوق المشروعة للشعب الكوردي، سواء كان ذلك في كوردستان العراق، أو سوريا، أو تركيا، أو إيران. لكنها تعني أيضاً رفض أي شكل من أشكال الاستغلال للقضية الكوردية من قبل القوى الخارجية، التي قد تستخدم الكورد كورقة ضغط ثم تتخلى عنهم عند تغير الظروف السياسية.

 

الطريق نحو إحياء الكوردايتي

إذا كنا نسعى حقاً إلى إعادة إحياء روح الكوردايتي، فلا بد من خطوات عملية ملموسة، أهمها:

-1 الوحدة السياسية: يجب أن يكون هناك حوار جاد بين مختلف القوى الكوردية للوصول إلى رؤية مشتركة، تضمن مصالح الشعب الكوردي بعيداً عن الانقسامات.

 

-2 تقديم المصلحة القومية على المصالح الحزبية: يجب أن يكون القرار الكوردي مستقلاً، وأن تكون الأولوية لمصلحة الأمة الكوردية وليس لأي أجندة خارجية.

 

-3 بناء مؤسسات قوية: لا يمكن تحقيق الكوردايتي دون بناء مؤسسات كوردية قوية ومستقلة، تعمل وفق مبادئ الديمقراطية والشفافية، وتمثل إرادة الشعب الكوردي بعيداً عن التدخلات الخارجية.

 

-4 إحياء الهوية والثقافة الكوردية: الحفاظ على اللغة الكوردية، والتاريخ، والتراث، وتعزيز الشعور بالهوية الكوردية، هي أمور أساسية في ترسيخ مفهوم الكوردايتي في الأجيال القادمة.

 

الخاتمة

 

الحديث عن الكوردايتي يجب أن يكون أكثر من مجرد كلمات تُقال في المناسبات والخطابات السياسية. إنه التزام أخلاقي ووطني يجب أن يُترجم إلى مواقف واضحة على الأرض. وإذا لم يعمل الكورد بجدية على تحقيق وحدتهم، والابتعاد عن الانقسامات التي أضعفت موقفهم لعقود، فإنهم سيظلون عرضة للاستغلال والتهميش.

 

اليوم، نحن بحاجة إلى مراجعة حقيقية وصادقة لواقعنا، والعودة إلى جوهر الكوردايتي، الذي يجعل من القضية الكوردية وحقوق شعبنا الهدف الأسمى، بعيداً عن المصالح الشخصية والحزبية. فقط عندها يمكننا القول إننا نقترب من تحقيق حلم الحرية والكرامة الذي طالما ناضل من أجله أجيال من أبناء كوردستان.

 

قد يعجبك ايضا