الكورد والآشوريون بين الوعود الدولية وخيبات السياسة قراءة في علاقة الشعوب الصغيرة بالواقعية السياسية للقوى الكبرى
ماهين شيخاني
مقدمة: عندما تصطدم تطلعات الشعوب بحسابات الدول
في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، قلّما نجد تجربتين متشابهتين بقدر ما نجد في التجربتين الكوردية والآشورية. فكلا الشعبين يمتلك جذوراً تاريخية عميقة في المنطقة، وكلاهما واجه تحديات وجودية تتعلق بالهوية والتمثيل السياسي والأمن الجماعي. كما أن كليهما وجد نفسه، في أكثر من محطة تاريخية، طرفاً في معادلات إقليمية ودولية أكبر من قدرته على التأثير فيها.
ورغم اختلاف الظروف الديموغرافية والسياسية بين الكورد والآشوريين، فإن هناك خيطاً مشتركاً يربط بين التجربتين: الاعتماد المتكرر على وعود القوى الكبرى، ثم الاصطدام بحدود تلك الوعود عندما تتغير المصالح وتُعاد صياغة التحالفات.
إن فهم هذه التجارب لا يهدف إلى إحياء مشاعر المظلومية، بقدر ما يسعى إلى قراءة آليات عمل السياسة الدولية، وكيف تتعامل القوى الكبرى مع الشعوب غير الممثلة بدول مستقلة.
أولاً: الجغرافيا السياسية وصناعة الهشاشة
يقع الكورد والآشوريون في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية من الناحية الجيوسياسية. فالمجال الجغرافي الذي عاش فيه الشعبان تاريخياً يمتد عبر مناطق التماس بين تركيا والعراق وسوريا وإيران، وهي دول تنظر بحساسية شديدة إلى أي مشروع سياسي أو قومي عابر للحدود.
هذه الجغرافيا منحت الشعبين أهمية استراتيجية كبيرة، لكنها جعلتهما أيضاً عرضة للتجاذبات الإقليمية والدولية.
ففي أوقات الأزمات والحروب، غالباً ما تحظى القوى المحلية بدعم خارجي لأنها تؤدي دوراً وظيفياً في الصراع. أما في مراحل التسويات السياسية، فإن الأولوية تنتقل عادة إلى استقرار الدول القائمة والحفاظ على التوازنات الإقليمية، حتى لو جاء ذلك على حساب تطلعات بعض المكونات القومية أو الدينية.
ثانياً: مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى… بين سيفر ولوزان
مثلت نهاية الحرب العالمية الأولى لحظة مفصلية بالنسبة لشعوب المنطقة كافة، ومنها الكورد والآشوريون.
فقد حملت معاهدة سيفر عام 1920 إشارات مهمة إلى إمكانية منح الكورد شكلاً من أشكال الحكم الذاتي وحق تقرير المصير، كما فتحت الباب أمام نقاشات دولية حول مستقبل الأقليات القومية والدينية في المنطقة.
لكن التحولات اللاحقة سرعان ما غيّرت المشهد.
فمع صعود الحركة القومية التركية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، وتغير موازين القوى الدولية، جاءت معاهدة لوزان عام 1923 لتعيد رسم الخريطة السياسية للمنطقة وفق اعتبارات الاستقرار الإقليمي أكثر من اعتبارات حقوق الشعوب.
بالنسبة للكورد، كان الانتقال من سيفر إلى لوزان يعني انتقال القضية من إطار الاعتراف الدولي المحتمل إلى واقع التقسيم بين عدة دول.
أما الآشوريون، الذين كانوا يأملون في ترتيبات سياسية أو إدارية تضمن خصوصيتهم وأمنهم الجماعي، فقد وجدوا أنفسهم أيضاً خارج الحسابات النهائية للنظام الإقليمي الجديد.
وهنا ظهر أحد الدروس الأولى في السياسة الدولية: أن الوعود المرتبطة بمرحلة الحرب لا تتحول بالضرورة إلى التزامات دائمة في مرحلة التسوية.
ثالثاً: الانتداب البريطاني وحدود الالتزام السياسي
خلال فترة الانتداب البريطاني على العراق، لعب الآشوريون دوراً عسكرياً مهماً ضمن قوات الليفي، التي اعتمدت عليها بريطانيا في حماية مصالحها وقواعدها العسكرية.
غير أن العلاقة التي بدت في ظاهرها شراكة لم تتحول إلى ضمانات سياسية طويلة الأمد.
فمع اقتراب نهاية الانتداب واستقلال العراق، تراجعت الأولوية البريطانية تجاه الملف الآشوري، ووجد المجتمع الآشوري نفسه في مواجهة تحديات أمنية وسياسية كبيرة انتهت بمأساة سميل عام 1933.
لا يعني ذلك أن بريطانيا كانت المسؤولة الوحيدة عن تلك الأحداث، لكنه يكشف محدودية الالتزام الدولي عندما تتغير الأولويات الاستراتيجية.
رابعاً: الكورد واتفاقية الجزائر 1975… درس الواقعية السياسية
إذا كانت التجربة الآشورية مع بريطانيا مثالاً على حدود الحماية الدولية، فإن التجربة الكوردية مع الولايات المتحدة خلال سبعينيات القرن الماضي تقدم نموذجاً آخر على أولوية المصالح في العلاقات الدولية.
خلال الصراع بين الحكومة العراقية وإيران، حصلت الحركة الكوردية بقيادة الملا مصطفى البارزاني على دعم أمريكي وإيراني مكّنها من الاستمرار في مواجهة بغداد.
لكن هذا الدعم كان مرتبطاً بالسياق الإقليمي وليس باعتراف أمريكي بحقوق الكورد القومية.
وعندما وقعت إيران والعراق اتفاقية الجزائر عام 1975، تغيرت المعادلة بالكامل، فتوقف الدعم الخارجي وانتهت الحركة المسلحة إلى انتكاسة كبيرة.
لقد أصبحت تلك التجربة واحدة من أكثر المحطات تأثيراً في الوعي السياسي الكوردي، ليس بسبب نتائجها العسكرية فحسب، بل لأنها كشفت الفجوة بين توقعات الحلفاء المحليين وحسابات الدول الكبرى.
خامساً: من الحرب على داعش إلى أسئلة المستقبل
بعد عام 2014 عاد الكورد والآشوريون ليجدوا أنفسهم شركاء في مواجهة تهديد وجودي تمثل بتنظيم داعش.
في العراق وسوريا لعبت قوات البيشمركة وقوات سوريا الديمقراطية، إلى جانب تشكيلات آشورية وسريانية محلية، دوراً أساسياً في هزيمة التنظيم.
وقد أدى ذلك إلى بناء شراكات مهمة مع الولايات المتحدة والتحالف الدولي.
إلا أن تجربة السنوات اللاحقة أظهرت مرة أخرى أن التحالفات العسكرية لا تتحول تلقائياً إلى ضمانات سياسية دائمة.
فالتغيرات في أولويات واشنطن، والاعتبارات المتعلقة بعلاقاتها مع تركيا والحكومات الإقليمية، أعادت التأكيد على حقيقة أساسية في العلاقات الدولية: الدعم الخارجي يرتبط بالمصالح المتغيرة أكثر مما يرتبط بالالتزامات الأخلاقية أو التاريخية.
سادساً: ما الذي يجمع التجربتين؟ وما الذي يفرقهما؟
رغم التشابه في بعض المحطات، فإن هناك اختلافات مهمة بين الكورد والآشوريين.
فالكورد اليوم يمثلون شعباً كبيراً يمتلك حضوراً ديموغرافياً واسعاً، وتجارب حكم وإدارة ذاتية، ومؤسسات سياسية وعسكرية في أكثر من جزء من كوردستان.
أما الآشوريون، فقد أدت عقود الهجرة والصراعات إلى تراجع وزنهم الديموغرافي والسياسي، ما جعل تحدياتهم مختلفة في طبيعتها وحجمها.
لكن ما يجمع الطرفين هو أن كليهما اختبر حدود الاعتماد على الخارج، واكتشف أن التحالفات الدولية لا يمكن أن تكون بديلاً عن بناء القوة الذاتية والمؤسسات المستدامة.
الخاتمة: بين الواقعية السياسية وبناء المستقبل
لا يمكن فهم التجربتين الكوردية والآشورية من خلال مفهوم “الخيانة” وحده، لأن السياسة الدولية لا تُدار بالعواطف، بل بالمصالح والتوازنات.
وهذا لا يبرر التراجع عن الوعود أو تجاهل حقوق الشعوب، لكنه يساعد على فهم طبيعة النظام الدولي كما هو، لا كما نتمنى أن يكون.
لقد أثبت القرن الماضي أن القوى الكبرى قد تدعم، وقد تتعاون، وقد توفر الحماية المؤقتة، لكنها نادراً ما تجعل قضايا الشعوب الصغيرة أولوية تتقدم على مصالحها الاستراتيجية.
ولهذا ربما يكون الدرس الأهم للكورد والآشوريين، كما لغيرهم من الشعوب، هو أن بناء المؤسسات، وتعزيز الوحدة الداخلية، وتطوير أدوات التأثير السياسي والدبلوماسي، يبقى أكثر استدامة من الرهان على التحولات الدولية وحدها.
ففي عالم تحكمه المصالح، لا تُقاس قوة الشعوب بعدد الوعود التي تتلقاها، بل بقدرتها على تحويل وجودها التاريخي إلى مشروع سياسي قادر على الصمود والتكيف مع المتغيرات.