المقاطعة كتذكير بالنضال المستمر من اجل تحقيق تطلعات شعب كوردستان

 

 

 

خضر منتك

للحزب الديمقراطي الكوردستاني تاريخ حافل بالنضال ولم يرضخ أبدًا في يوم من الأيام ، منذ تأسيسه ، لمؤامرات أعداء كوردستان وشعبها ، بل كان دائماً متصدياً لمكائدهم ، ويشهد التاريخ على ذلك ، وعلى أن هذا الحزب كان دائماً مع قضايا شعب كوردستان الوطنية والقومية ، ومع التعايش السلمي بين مكوناته ، وقد تأسس اصلاً على هذا الأساس ومن اجل تحقيق هذا الهدف النبيل ، وهو لم ولن يساوم أبداً على حقوق شعب كوردستان وهويته القومية.

 

والمتابع يرى كيف ان أعداء هذا الشعب وكيانه الدستوري”إقليم كوردستان” لجأوا الى كل الوسائل غير المشروعة للنيل من حقوقه وفرض إرادة غير ارادته القومية والوطنية عليه ، ظناً منهم ان بإمكانهم تحقيق ذلك ، خصوصاً بعد استفتاء الاستقلال في عام 2017 حيث تصاعدت هذه المحاولات ، ولكن كما المحاولات السابقة خلال العقود الماضية ، فشلوا وسيفشلون في ذلك.

 

وفي اطار هذه المساعي الخائبة ، ومع الأسف ، كانت المحكمة الاتحادية العليا اداةً من أدوات هذه المحاولات والمساعي ، وتم استخدامها ضد إقليم كوردستان عبر تحريك قضايا ودعاوى ضد الإقليم وكيانه الدستوري وحكومته الشرعية والقانونية وإصدار جملة قرارات غير قانونية وغير دستورية الهدف الأول والأخير منها تحجيم دور إقليم كوردستان ككيان دستوري ضمن العراق الفيدرالي ، وتحجيم سلطاته وامكاناته تمهيدا للقضاء عليه وعلى النظام الفيدرالي في العراق ، وإعادته الى النظام المركزي عبر افراغ الفيدرالية من معناها الحقيقي.

 

وقد بدأت المحكمة باصدارها قرارا ضد قانون النفط والغاز في اقليم كوردستان في شباط عام 2022 في اطار سياسة تهدف لتجويع إقليم كوردستان ومحاولة محاصرة حكومته وإضعافه لصالح اجندات إقليمية لاتخدم الشعب العراقي ومصالحه ، قبل ان تكون معادية لشعب كوردستان بكل مكوناته.

 

ثم قرار المحكمة بشأن الانتخابات البرلمانية في الإقليم والقاضي بتقليص عدد مقاعد برلمان كوردستان من 111 إلى 100 مقعد ، وذلك بإلغاء المقاعد الـ 11 المخصصة للمكونات القومية والدينية في الاقليم (التركمان والآشوريين والأرمن) بموجب نظام الكوتا ، وتكليف المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق بالإشراف على الاستحقاق الانتخابي بدلا من مفوضية الانتخابات والاستفتاء المستقلة في إقليم كوردستان ، بالإضافة إلى تقسيم الإقليم انتخابيا إلى 4 دوائر، بدلا من دائرة واحدة ، بالإضافة الى سلسلة قرارات غير دستورية من المحكمة ضد إقليم كوردستان خلال الفترة الماضية.

 

ـ المقاطعة كأداة سياسية استراتيجية لحماية كيان إقليم كوردستان:

 

اولاً ، ان قرار الحزب الديمقراطي الكوردستاني بمقاطعة الانتخابات البرلمانية المقرّرة في العاشر من يونيو/ حزيران المقبل في إقليم كوردستان ، وتهديده بالانسحاب من كامل العملية السياسية في العراق ، كان قراراً وطنياً وشجاعاً ومتوقعاً، لأن الحزب لن يتنازل أبداً عن إرادة شعب كوردستان ومنجزاته التي تحققت بتضحيات ابناءه ودماء الآلاف من شهداءه .

 

و لأول مرة في تاريخ العملية السياسية يحدث أن قوة كبيرة مثل الديمقراطي الكوردستاني ولها تاريخ طويل يمتد لعقود من الزمن  يقرر مقاطعة العملية الانتخابية ، في حين أن فوزه مضمون كما في كل الانتخابات السابقة ، وقد جاء قرار المقاطعة كرد فعل على القرارات الأخيرة التي أصدرتها المحكمة الاتّحادية ، حيث اعلن الحزب في بيان صدر عقب اجتماع لمكتبه السياسي ، عدم الاشتراك في انتخابات تجري خلافا للقانون والدستور وتحت مظلة نظام انتخابي مفروض ، ورفضه إضفاء الشرعية على انتخابات غير دستورية وغير ديمقراطية ، نظراً للخروقات الدستورية التي تمارس من قبل المحكمة الاتحادية ضد إقليم كوردستان ومؤسساته الدستورية عامة.

 

كما ان تهديد الحزب كذلك بالانسحاب من العملية السياسية في بغداد ما لم يتم “تطبيق الدستور” جاء ليضع أطراف تحالف إدارة الدولة أمام مسؤولياتهم الوطنية في تطبيق الدستور وجميع بنود الاتفاق السياسي والإداري الخاصة بتشكيل الحكومة الحالية برئاسة محمد شياع السوداني، وبعكسه كما قال الحزب في بيان له ” لا يمكننا الاستمرار في “العملية السياسية”.

 

ثانياً، في المشهد السياسي العراقي المعقد ، وبالإضافة لكون الحزب الديمقراطي الكوردستاني قوة سياسية كبيرة ومؤثرة وذات مكانة وشعبية كبيرة ، فإن تعامله مع الأحداث السياسية هو من منطلق كونه قوة وطنية على المسرح السياسي العراقي ، يراعي مصلحة الجميع ، الشعبين العراقي وإقليم كوردستان.

 

ثالثاً، جاء قرار الديمقراطي الكوردستاني للتذكير بأن المحكمة الاتحادية فقدت حياديتها وشرعيتها وتحولت إلى دائرة تابعة لقوى سياسية شوفينية معادية لحقوق شعب كوردستان المشروعة ، وهي تصدر قراراتها بحسب ما تشتهيه قيادات الأحزاب والفصائل، وهذا ماظهر من سلسلة القرارات التي صدرت خلال الأشهر الماضية وكانت بعيدة عن الروح الوطنية وتضرب العملية السياسية في صميمها وتهز كيان الدولة، وهو ما يستوجب على العقلاء التدخل سريعاً في الأمر قبل الوصول إلى كارثة جديدة تُضاف لكوارث البلاد الكثيرة.

 

رابعاً ، ان الحزب الديمقراطي الكوردستاني ومنذ تأسيسه على يد القائد التاريخي الكوردستاني الخالد مصطفى بارزاني ، نادى بالديمقراطية للعراق ، ولا يريد بعد كل هذه التضحيات الجسيمة العودة إلى النظام المركزي الدكتاتوري الذي لم يجلب سوى الدمار على العراق بكل مكوناته ، عبر قرارات المحكمة الاتحادية التي تجاوزت صلاحياتها وباتت تمارس السلطات التشريعية والتنفيذية في آن واحد ، في مخالفة صريحة للدستور العراقي الذي صوت عليه الغالبية العظمى من الشعب ، كما إن الديمقراطي الكوردستاني يريد من بغداد الالتزام بالاتفاقيات السياسية التي أبرمت قبل تشكيل الحكومة الحالية ، فلو تم الالتزام ببنود هذه الاتفاقيات لما وصل الامر الى ماعليه اليوم من ازمة سياسية عميقة ، فالمحكمة الاتحادية تجاوزت كل صلاحياتها وباتت تخلق الازمات للعملية السياسية في العراق ، بينما يفترض بها ان تكون محكمة تحل المشاكل وتجد الحلول للازمات لا ان تكون هي مصدر الأزمات تارة بإبطال قانون النفط والغاز، وتارة بقرار توطين الرواتب ، وتارة بإلغاء كوتا المكونات ، وقرارات أخرى غير دستورية كثيرة .

 

ان الحزب الديمقراطي وعبر قرار مقاطعة الانتخابات والتلويح بالانسحاب من العملية السياسية في العراق ، يشدد على انه لن يسمح بالتدخل بشؤون اقليم كوردستان والتحكم في أموره ومؤسساته وفرض سلطة المركز عليه في ظل تجاهل واضح لوضع إقليم كوردستان في الدستور وتمتعه بإدارة نفسه بنفسه.

 

ان الحزب يرى في العودة الى ما تم الاتفاق عليه مع اطراف الاطار التنسيقي والاخرين في تحالف ادارة الدولة، امر في غاية الاهمية بالنسبة للوضع الحالي ، والتزامهم بالتعهدات التي قدموها قبل تشكيل الحكومة ، وانهاء هذه الازمة المفتعلة بين الاقليم والحكومة الاتحادية وعدم التوجه بالعراق الى وضع مجهول ومعقد، يفضي الى اوضاع وامور ليست في صالح الجميع ، كما اكدت كتلة الديمقراطي الكوردستاني النيابية في بغداد في بيان لها بالصدد.

 

وأخيراً ، فإن إقليم كوردستان ومكوناته لن يقبلوا بالتنازل عن المكتسبات والمنجزات والحقوق الدستورية والقانونية التي نالوها بتضحيات جسام ، ولن يقبلوا بأقل من حقوقهم هذه ، ويبقى الديمقراطي الكوردستاني الحزب الجماهيري الأول الذي يضع شعب كوردستان آماله فيه ، وسيبقى الحزب وفياً لهذا الشعب وملتزماً بالنضال من اجل تحقيق تطلعاته المشروعة.

 

 

قد يعجبك ايضا