ابو العلاء والسجون الاربعة        

 

د . صباح ايليا القس

قيل عن ابي العلاء المعري الشيء الكثير , وما جاء عنه لم يأتِ من فراغ بل لانه كان جديرا بما كتب عنه , اذ تعد حياته ونتاجاته مصدرا مهما للبحث والدراسة بوصفه شاعرا وفيلسوفا ومفكرا وسجينا ومعتزلا الحياة إلا ما يديم البقاء .

لا نريد ان نجعل مقالنا هذا سوداويا بل لانقل لكم حكاية طريفة عنه تشير الى زهده اذ كان نباتيا لا يستسيغ اكل اللحوم مهما كان نوعها تقول الرواية إن أبا العلاء المعري تعرض الى وعكة صحية تطاولت عليه أيامها فزاره في داره الاهل والاصدقاء والمعارف ولا سيما من كان له علم بالطب واتفقوا على ان يستعمل مرق الدجاج في طعامه ليبعث فيه الدفء والقوة لما يشتمل عليه من مواد غذائية نافعة في علاجه مع علمهم انه نباتي وعليهم اقناعه بهذا الامر فقال لهم بعد صمت عميق وهو يخاطب الدجاجة ( استضعفوك فوصفوك لكن لماذا لم يصفوا فروة الاسد ؟ ) وهنا تعجب الحاضرون وانصرفوا لساعتهم .. كلام ابي العلاء قصد به ان الضعفاء والبسطاء مهددون وهم ضمن الضحايا المقصودة مثل الدجاجة اما الاقوياء فهم في امان دائم طالما ان قوتهم تعد رادعا لاي مساس بهم وهكذا هي فلسفة الاقناع والرد بالمثل .

إن العمى الذي لازم ابو العلاء هو بلاء وابتلاء اذ هو معتقل محدود الحركة من دون صدور امر بالسجن وكذلك هو في ظلام طويل على الرغم من وجود ضوء النهار والشمس المشرقة … هذا الظلام وهذا الاعتقال هو عزلة قهرية مقصودة وغير مقصودة وهي حياة انفرادية رهيبة وشديدة الوطأة والحياة ضمن هذه المعطيات قاسية لا سيما بالنسبة لروح شاعرية تطلب الحرية والانفتاح لا أن تتعذب وتقاسي حالة التوحد التي تعني انطفاء الحياة وبهاتة طعمها وأُفول نجمها فلا يعني الظلام سوى السواد والقسوة والعتمة والعبوس وحتى شيء من
الجنون .

معلوم ان الجسم سجن للنفس والنفس تبحث عن الحرية في انطلاقها وتحررها من سيطرة الجسد.

كذلك البيت المظلم بالعمى او بغيره هو تحجيم لطاقة الانسان الذي سرعان ما يمل المقام به والانسان بطبعه اجتماعي يبحث عن العالم المتحرك ويكره العالم الساكن الساكت الثابت بما يعني ان طول الاقامة بغض النظر عن الاسباب والمسببات تعني الركود والجمود الذي يشابه الموت الذي هو مرارة الموت .

كذلك يكون العمى سجن للجسد لانه يقتل الرؤية ويمنع النظر من الانفتاح على الحياة بما تشتمل عليه من متضادات الخير والشر والصباح والمساء والحق والباطل والقبح والجمال وغير ذلك من الثنائيات .

لكن ربما يخفف ضغط السجن والعمى الانفتاح العقلي ورؤية الآخرين بعين العقل الذي يستعيض عن نور العين بنور العقل حيث تنكشف القدرة والارادة وتتحفز طاقة السمع لا سيما اذا توفرت الوسائل المساعدة في تجاوز العمى والانصراف الى التعلم والانفتاح على المعارف والعلوم والفلسفة وذلك ما تيح لابي العلاء لا سيما انه اشتمل على قدرة شاعرية مبدعة بنظم ما يبدعه عقله شعرا يبهر الاخرين من المبصرين ..

فليس كل العميان اغبياء وليس كل المبصرين من المبدعين لان ذلك يرتبط بالسعي والاجتهاد والثبات والاستعداد العقلي لتقبل العلوم والمعارف بل والابداع فيهما لاحقا فكم من العميان من حقق مواقع ونتائج عجز عنها المبصرون وكم من المبصرين من تقاعس وبقي في
آخر القائمة .

صحيح ان ابا العلاء نظر الى الحياة بسوداوية ويأس لكنه أبدع حتى وهو في ظلامه يقول :

أرانــــي فـــي الثلاثــة مـــن سجونـــــي        فـــلا تســــــــــأل عــــن الخبـــــــر النبيـــــث

لفقـــدي ناظـــــري ولـــــزوم بيتــــــــي        وكـــــون النفــــس فــــي الجســــــد الخبيــــث

نبث عن الامر اي بحث .

ويقول :

ألا إن اخــــــــلاق الفتــــــــى كزمانـــــــه       فمنهــــــن بيـــــــض فـــي العيـــون وســـــودُ

 

قد يعجبك ايضا