جدلية العلاقة بين الحياة والشعر      

 

د . صباح ايليا القس

 

 

الشاعر يقول ونحن علينا أن نفسر ونحقق وندقق ونستنتج وربما نجد افكارا لم يكن يقصدها الشاعر او ربما تتعارض مع رؤيته او الغرض الذي يرمي اليه فيكون الشاعر في واد ونحن في واد آخر وهذا سر نجاح الشاعر عن طريق تعدد التصورات في التوافق او الاختلاف .

ولا نكاد نختلف في آراء النقاد في شعر المتنبي فمنهم من والاه وأيده في جميع ما ذهب اليه من قصائد وهناك من عارضه وأظهر بعض الهفوات على مبدأ الحب والحقد وكلاهما من الصفات الانسانية , وعندما عرف المتنبي بوجود جماعات تحتفي به وجماعات من النقاد تترصد عثراته قال بيته الشعري الذي يفسر سلوك الجانبين وانه يقول وعلى الآخرين الاتفاق او الاعتراض اذ ان ذلك لا يعنيه في شيء يقول :

أنــــام مــلء جفونــــــي عـــــن شواردهــــا        ويسهــــر الخلـــــق جرّاهــــــا ويختصمـــــوا

يدل هذا البيت على الثقة المطلقة في قدرته الشعرية على القول بل والابداع فيما يأتي به من قصائد والحقيقة ان المتنبي بحسب اغلب النقاد بل وحتى من المتصيدين في الماء العكر شاعر مبدع مجدد في اسلوبه وابداعه اللغوي والبلاغي ولا بأس من التذكير بأن هناك ما ليس يحصى من الكتب والدراسات والمقالات والبحوث والمحاضرات التي تناولت شعره بالنقد والتحليل والى يومنا هذا ما يزال المتنبي ملهم الشعراء والدارسين وبحق جاء القول ( مالئ الدنيا وشاغل

الناس ) .

وهذا لا يعني انه الشاعر الوحيد الاوحد فالشاعرية ليست مقصورة عليه لان هناك من السابقين وان هناك من اللاحقين ما لا يمكن حصره من الشعراء وحتى يرث الله الارض .. مع العلم ان لكل شاعر خصوصيته وابداعه الذي لا يمكن انكاره فطالما ان الحياة تسير ولا تتوقف فأن هناك مبدعين يمثلون عصرهم .

مع الاعتراف ان الزمن لا يترك حالا على حال , فالايام والليالي هي الحياة وهي الزمن الذي يبحر بنا نحو عوالم متجددة لم نعرفها في الماضي , فعندما كنّا أطفالا لم تكن الحياة تعنينا الا بما توفره لنا من طعام وألعاب وأمان ولكن تداول الايام والتطور والنمو العقلي والجسدي تجعلنا ندرك معنى آخر للحياة ويأخذنا الادراك الى مسارب واجواء الى أن نتيقن اننا نسير نحو الشيب والفناء ولهذا يقول الشاعر :

أشـــــابَ الصغيـــرَ وأفنـــــــى الكبيـــر       مَـــــــــرُّ الليالـــــــي وكــــــــرُّ العَشــــــي

فمرور الليالي واستمرار دوران الشمس والقمر يعني ان الصغير الذي نعرفه سيأخذه الشيب يوما وان الكبير مهما طال به الزمن فان الفناء بانتظاره بسبب مَرُّ الليالي وكرُّ العشي .

فالليل اذا جاء بمعنى انه افنى النهار الذي ذهب ولكن ليس الليل على دوام فلا بد من الصبح الذي يبشر بميلاد يوم جديد .

اذا ليلـــــة هرَّمــــتْ يومهــــــــــا      أتـــــــى بعــــد ذلك يـــــوم فــــــــــتي

نــــروح ونغـــــدو لحاجاتنــــــــا       وحاجـــــة مـــن عــــاش لا تنقضـــي

هكذا هو الانسان يعيش في دوامة الليل والنهار لتكرر دورة الحياة ولادة , طفولة , الصبا , الشباب , الاكتمال , الاكتهال , الموت .. هذه المسافة بين الولادة والموت هي الحياة التي لا تعد شيئا في عمر الكون .. والانسان ( يسعى في مناكبها ) وحاجاته وآماله وطموحاته لا تنتهي .. هذه المسيرة الانسانية دوَّنها الشعراء بأبيات شعرية كل واحد بحسب خصوصيته ورؤيته للحياة لان الشعراء اكثر حساسية نحو الاشياء من غيرهم وقلة من تجاوزوا هذا الموضوع اذ انه الحاضر الغائب في الذاكرة الشعرية .

قد يعجبك ايضا