د . صباح ايليا القس
للشعر العربي على وجه الخصوص تاريخ طويل يدخل في عمق العصر الجاهلي وليس من السهولة تحديد او مقاربة تاريخ الشعر العربي ويعد ذلك من المستحيل لكن اجتهادات النقاد اعطت مقاربة تاريخية غير ملزمة اقترحها الجاحظ اذ حدد مئة او مئة وخمسين سنة على أبعد تقدير لتحديد اولية الشعر الجاهلي .
يبدو انه بنى فرضيته على اساس الرواية لان الشعر العربي الذي وصلنا كله جاء عن طريق الرواية التي ترتبط بعمر الانسان جيلا بعد جيل مع التأكيد ان العرب لم تعرف التدوين لكي نجد اثارا او مخطوطات او ألواح كما هو موجود في بلاد الرافدين ومصر الفراعنة لكي ندرس هذه اللوحات ونعرف تاريخها التقريبي .
هذا تاريخ الشعري البعيد اعطانا عددا لا يستهان به من الشعراء ومن المؤكد ان لكل شاعر صوته الخاص وروحيته المتميزة واسلوبه الذي يُعرف به واغراضه الشعرية التي تغلب الاغراض الاخرى , ومعنى هذا اننا امام آلاف الدواوين الشعرية اي اننا امام معروضات من القصائد تنفتح على موضوعات ومعالجات والفاظ واستعارات وتشبيهات بلاغية تختلف الواحدة عن الأخرى بحيث ربما نعثر على عدد قليل جدا من اساليب التكرار إلا ما جاء عفو الخاطر .
نحن المتلقين اي القراء والمتابعين للحركة الشعرية صارت لدينا ذائقة شعرية استحصلنا عليها من كثرة القراءة والمحفوظات والدراسات وبالرغم من هذا التدريب إلا اننا لا نتطابق في رؤيتنا الى القصائد المطروحة بل قد تختلف وجهات نظرنا الى البيت الواحد فكيف بديوان الشاعر برمته .
هذا الامر يعد من قبيل الحسنات ولذلك قيل ( اختلاف الرأي لا يفسد للودِّ قضية ) اي ان اختلاف الاراء وتعدد الذائقات يعد اثراء للنص وليس عيبا فيه او فينا فكل واحد منّا له رؤيته وحساسيته نحو شاعر معين او قصيدة معينة او حتى لو كان بيتا شعريا واحدا وعلى هذا جرى النقاد منذ ان بدأ التدوين في نهاية العصر الاموي وبداية العصر العباسي وحتى يومنا هذا نجد أنفسنا نقرأ ما كتب بحقِّ هذا الشاعر او ذاك ونحترم للنقاد السابقين نقدهم ونحن بدورنا لنا ايضا اراؤنا قد نتفق ونختصم وقد نستفيد وقد نضيف من ابداعنا وليس في ذلك منقصة لاحد ..
لكن في الجانب الآخر يجب أن تكون الخصومة مبنية على معطيات تنبع من داخل النص وبروح رياضية وليس من اللائق أن نحاكم النص بسبب اهواء شخصية مبنية على الحقد والكراهية والابتعاد عن الموضوعية لان النقد لا يعني سيفا مسلطا على رقبة الشاعر ونصوصه اي قصائده التي اجتهد في صياغتها وابداعها وليس من اللائق الابتعاد عن الصدق والحقيقة ارضاء لنفس حاقدة .
يقول المتنبي :
ومـــنْ يـــــك ذا فـــم مـُـــــرٍّ مريـــض يجــــــد مُـــرًّا بــــــه المـــاء الزلالا
نجد في هذا البيت تشخيصا سليما لحالة بعض النقاد الذين لا يعتمدون الثوابت في اصدار ارائهم .. النقاد مثل القضاة الذين يعتمدون الانظمة والقوانين والمعطيات في اصدار احكامهم وهكذا للنقاد ضوابطهم الخاصة بالشعر وفنونه التي يقبلها المنطق والحق واذا خرج النقاد عن هذه المعايير كان نقدهم مجافيا للحقيقة بعيدا عن حقائق الاشياء وهذه الفكرة هي التي عالجها المتنبي في بيته معطيا الدليل على ضعف الذائقة اذ جاء بتشبيه واقعي من صلب الحياة فالمريض ولا سيما المصاب بالحمى يشعر بمرارة الفم ولا يستذوق الماء على الرغم من عذوبته وصفائه ونقائه .. فاذا لم يستطع الناقد فهم البيت واعطاء كل ذي حق حقه وخرج عن المألوف فهو كالمريض بالحمّى الذي لا يستشعر لطافة الماء وعذوبته .