الصّبيُّ النّشيطُ فوّاز، يحبُّ المغامراتِ واكتشافَ الألغاز، يعيشُ في الجزيرة المَنْسيّة، وهي جزيرةٌ فقيرة، بعيدةٌ وصغيرة، لو بحثتُم في الخريطة، فستجدونَها بعدَ كثيرٍ من العَناء، وسطَ المحيط، كبقعةٍ صغيرةِ سوداء.
سكّانُ الجزيرةِ قليلون، وفيها عشرون طفلاً فقط، ومدرسةٌ وحيدة، وهناك، قربَ المدرسة، يقعُ بيتُ فوّاز.
انتهى دوامُ المدرسةِ قبلَ قليل، فخرجَ الأطفال، وضعوا حقائبَهم وسطَ السّاحة، عندَ الشّجرة اليابسة، وراحوا يلعبون، كان فوّاز يركضُ ضاحكاً، وفجأةً تجمّدتْ حركتُه، واختفتْ ضحكتُه، هل تعرفونَ لماذا؟
“احذرْ يا فوّاز، لقد اقتربتَ من بيتِ الجدّة الرّماديّة”.
سمعَ صديقتَه يارا تقولُ هذا، فتوقّفَ في مكانه.
كانت الجدّةُ الرّماديّةُ عجوزاً وحيدةً نحيلة، لا تخرجُ من بيتِها إلا مرّاتٍ قليلة، لكنّها تراقبُ الأطفالَ من نافذتِها دوماً، فيخافونَ منها، ويطلقونَ عليها هذا الاسمَ لأنّ كلَّ أشيائِها رماديّة، خصلات شعرِها، وثيابها البالية، وعكّازها، وستارة نافذتِها العالية.
ركضَ فوّاز مبتعداً، ولم يجرؤْ هو أو أصدقاؤه على النّظرِ إلى النّافذة، تابعوا لعبَهم، لكنْ، بعدَ دقائق، حدثَ أمرٌ جعلهم يقرّرون العودةَ إلى بيوتِهم مسرعين.
نفختِ الرّيحُ بإصرار، فتجمّعتِ الغيومُ السّوداء، وهطلتِ الأمطار، رفعَ الأطفالُ معاطفَهم الرثّة ليغطّوا رؤوسَهم، لكنّ قطراتِ المطرِ بلّلتْ شعرَهم، فارتجفتْ أجسادُهم، “ليتَ لدينا قبّعاتٍ صوفيّة” قال فوّاز، واقتربَ من الشّجرةِ ليأخذَ حقيبته، وكانت أمنيتهُ الصّغيرة، هي أمنيةُ كلِّ أطفالِ الجزيرة.
في منتصفِ تلكَ اللّيلةِ الشّتويّة، هبّتْ عاصفةٌ ثلجيّة، وعندَ الشّجرةِ اليابسة، حدثَ أمرٌ صعبُ التّصديق، لم يرَهُ سكّانُ الجزيرةِ لأنّهم كانوا يغطّونَ في نومٍ عميق، لكنْ، في الصّباح الباكر، رأى فوّاز وأصدقاؤه شيئاً عجيباً.
كانت الأغصانُ الخمسةُ للشّجرة اليابسةِ النّحيلة، قد اكتستْ بأوراقٍ خضرٍ جميلة، ومن كلِّ غصنٍ تدلّتْ قبّعةٌ صوفيّة، بخطوطٍ خضراء وبُنيّة، حدّقَ الأطفال بالشّجرة بدهشة، ثمّ مدَّ فوّاز بتردّدٍ يدَه المرتعشة، قطفَ قبّعةً وارتداها، فشعرَ بدفءٍ يحتضنُ جسدَه كلَّه، ثمّ تجرّأ أصدقاؤه وقطفوا القبّعاتِ الأربعِ الباقية.
ظلّ فوّاز يفكّر بالقبّعات، ” لا بدّ أنّ شيئاً حدثَ في اللّيل، وقد يحدثُ مرّةً أخرى، يجبُ أن أكتشفَ هذا اللّغز”، قال ليارا، ثمّ نظرَ إلى الشّجرةِ السّحريّة، وابتسمَ فقد خطرتْ له خطّةٌ ذكيّة.
في تلك اللّيلةِ تناولَ فوّاز عشاءَه بسرعة، “تصبحانِ على خيرٍ” قال لوالدَيه، ودخلَ غرفتَه، لكنّه لم ينم، بل جلسَ عند النّافذة، وأخذَ يراقبُ الشّجرة، فعلَ أشياء كثيرةً كي يبقى مستيقظاً، قرأ قصصاً مشوّقةً خياليّة، ورسَمَ، ولعبَ بعضَ التّمارينِ الرّياضيّة، وقبلَ منتصفِ اللّيل، شعرَ بالنّعاس الشّديد، بدأ يتثاءب، وقرّرَ أن يغمضَ عينيه قليلاً، ولن تصدّقوا ما حدث!
“هيّا يا فوّاز، حانَ وقتُ المدرسة” سمعَ صوتَ أمّه، ففتحَ عينَيه، ورأى أشعّةَ الشّمسِ في الغرفة، واكتشفَ أنّه غرقَ في النّوم.