آفاق الحكمة في معلقة زهير بن أبي سلمى

د . صباح ايليا القس

نلجأ احيانا الى من يكبرنا سنا لنستفيد من تجربته في الحياة واحيانا نصغي الى المتحدثين الكبار بتجاربهم .. هذه الممارسات كانت تجري يوميا في العصر الجاهلي اذ كان الناس يجتمعون في مجلس القبيلة ليستمعوا الى الرجال وهم ينقلون للجيل الجديد حكاياتهم وتجاربهم التي يسمونها ايام العرب والقصد حروب العرب ..

المجالس مدارس فحيث لم تكن هناك مدارس كانت تلك المجالس تشكل الصف الواسع للمعرفة التي تشمل شؤون الحياة عامة ولا تقتصر على حديث معين لذلك يتلقف الشباب تلك المعارف ويضيفونها الى تحصيلهم المعرفي فضلا عن تجاربهم الخاصة .

زهير بن ابي سلمى من الناس الذين عاشوا اكثر من ثمانين عاما ومعنى هذا انه فضلا عن انه شاعر فهو صاحب تجربة طويلة في الحياة لذلك استطاع ان يصوغ لنا جملة من أبيات الحكمة فرضتها سعة اطلاعه وطول حياته وتجاربه العامة والخاصة .

ربما كانت الحرب الباعث المهم في اندفاعه نحو الحكمة فالحرب دائما بالضد من الطبيعة الانسانية والحرب تجربة قاسية ومؤلمة وسالبة الحياة تحت ظلال الموت الذي هو المحصلة الميدانية لمخرجات الحرب وربما قصد نفسه اولا عند استخلاص الحكمة في معلقته بل ويأسه من استمرار نشوب الحروب بين الناس وعجزه احيانا عن ايقافها بما يستطيع من قدرات وعلى هذا يقول :

سئمـــت تكاليــــف الحيــــاة ومـــن يعــــشْ        ثمانيـــن حــــولا – لا ابـــا لـــك – يســـــــأم

( فالثمانين ) وما يرافقها من اوجاع وآلام وامراض تكون مؤلمة وقاسية برغم ما تختزنه الذاكرة من افكار وتجارب فالذهن الانساني في كامل طاقته وقدرته واختزانه المعرفي ولكن الثمانين لها قول آخر في الواقع من حيث قوة الاقناع لان الثمانين لم تكن لهوا وعبثا بل هي حصيلة تاريخية اجتماعية ميدانية وهذه كلها تعد تجارب واقعية تعطي صاحبها القدرة على توجيه النصح والتعليم بوصفه المعلم الواعي والمدرس المثقف الذي يختزن عقله ما لا يستطيع آخر في هذا الموقف .

( والثمانين ) هي احدى محطات الرحيل بما يوحي بالعجز ودفع الآخرين الى الاستفادة من الايام الباقية والذخيرة التي يشتمل عليها رأسه من معارف وذكريات التي اختصرها بهذه الابيات التي يصور فيها الحياة التي يمكن أن يستفيد منها الآخرون يقول :

ومــن لا يصانـــع فـــي امـــــور كثيـــــرة           يُضـــرّسْ بأنيــــــاب ويوطـــــــأ بمنســــم

ومـــن يــك ذا فضـــل فيبخــــل بفضلـــــه           عـلـــــى قومـــــه يُستغْـــنَ عنـــه ويذمــــم

ومـن يجعـل المعـروف مـن دون عرضـــه            يفـــــــره ومــن لا يتــــــقِ الشـــتم يشتــــمِ

ومــــن لا يــذود عــن حوضـــه بسلاحـــه           يُهــــــدّمْ ومـــن لا يظلــــم النــــاس يظلـــمِ

ومــــــن هــاب اسبــاب المنايـــا ينلنـــــه           ولــــو نــــال اسبــــــاب السمــــاء بسلّـــــم

ومـــن يغتــربْ يْحســـب عــدوا صديقَــــه          ومــــن لا يكــــــرّمْ نفســــــــه لا يُكَـــــــرّمِ

ومهمــا تكـــن عنــد امــرئٍ مــن خليقــــة          وإنْ خالهـــا تخفـــى عـلــــى النـاس تُعلـــــم

هذه الابيات هي ليس كل ما اشتملت عليه المعلقة من أبيات الحكمة بل هناك ابيات اخرى لا استطيع اثباتها لطولها بل اكتفيت بالاشارة الى بعضها لنعرف الواقعية العقلية الجبارة التي اختزلت الحياة وتجاربها بهذه الابيات التي استمدها الشاعر من واقعه وحياته الشخصية التي هي جزء من حياة الآخرين .

عاش أقرانه الحياة نفسها ولكن كانت تنقصهم الشاعرية والذكاء العقلي الذي استطاع ترتيب هذه المعطيات وصياغتها شعرا سهل الحفظ وسهل الاستشهاد به بوصفه مصداقا لتجارب واقعية لا بد من الاعتبار منها ..

ليس من الغريب ان نقول ان تجارب الحكمة التي عاشها زهير هي نفسها التي نعيشها اليوم فالحكمة غير مقصورة على زمان ومكان جاهلي فقط بل هي تجربة –حياة تقصدنا نحن في هذه الايام , فالبخيل مذموم والبخيل ليس له موقع واحترام بين الناس , والذي لا يتجاوز شتم الآخرين سيشتمه الآخرون والذي لا يدافع عن نفسه عند الضرورة يهزم ويخسر ومن لا يكرم نفسه ويبخل عليها فلا ينتظر من يكرمه .. والناس تعرف أخلاق بعضهم مهما حاول بعضهم اخفاءها . هذه التجارب وأبيات الحكمة عاشت من العصر الجاهلي والى يومنا هذا لانها من تجارب الحياة العربية اليومية .

قد يعجبك ايضا