متابعة ـ التآخي
أثارت واقعة مقتل المدونة العراقية طيبة العلي على يد والدها، الدعوات مجددا لسن قوانين تكافح العنف الأسري. في المقابل، يرى نشطاء إن إنهاء جرائم العنف الأسري يتطلب تغييرات ثقافية ومجتمعية وأن التشريع لن يكون الحل الوحيد.
وجددت واقعة مقتل المدونة العراقية على يد والدها الدعوات إلى ضرورة قيام الحكومة العراقية بسن قانون ينهي العنف الأسري ويحمي النساء من العنف.
وتعود خلفيات الواقعة إلى عودة طيبة علي (22 عاما) من تركيا لزيارة أقاربها في مسقط راسها في محافظة الديوانية؛ وهناك تعرضت للقتل من قبل والدها، الذي قام بخنقها في 31 كانون الثاني 2023، بحسب اعترافه للشرطة العرقية.
وكانت طيبة مدونة ومؤثرة على وسائل التواصل الاجتماعي، اذ كانت تنشر مقاطع مصورة عن حياتها “الليبرالية” في تركيا، على موقع يوتيوب فيما كانت تخطط للزواج من صديق سوري، بحسب متابعين. وعقب مقتلها، نظمت ناشطات حقوقيات احتجاجا في بغداد للضغط على السلطات لتوفير حماية أفضل للمرأة وسن تشريعات تنهي العنف الأسري وتحمي النساء من العنف.
لكن في المقابل، طرح حقوقيون وحقوقيات فرضية مفادها إنه حتى لو كان في العراق قانون ضد العنف الأسري، هل كان كفيلا بإنقاذ حياة طيبة العلي وغيرها من الفتيات ممن وقعن ضحايا للعنف الأسري بخاصة تحت مزاعم ما يعرف بـ” جرائم الشرف “؟
تجيب الصحفية العراقية خلود أحمد على هذا الطرح، قائلة “لا أعتقد أن القانون سيوقف العنف ضد المرأة في العراق بشكل كامل وإن كان يقلل وتيرة العنف ضد النساء”، وأضافت، انه إذا علم الناس أنه سيجري معاقبتهم أو إذا عرفت النساء أن هناك أماكن يمكن أن تلجأ إليها المرأة في حالة تعرض حياتهن للخطر، فسيكون ذلك مفيدا. لكني في الوقت الحالي، أشعر أنه لا توجد عقوبات رادعة، على حد وصفها.
يشار إلى أنه لم يسن قانون في العراق يتحدث عن العنف الأسرى، لكن هناك قوانين يرى المراقبون أنها تتيح لأي شخص يضرب أو يقتل إحدى قريباته، تجنب الملاحقة القضائية؛ وفي شباط من العام الماضي، رفضت المحكمة العليا في العراق دعوى تقول إن المادة 41 من قانون العقوبات غير دستورية لأنها تفاقم عدم المساواة بين الجنسين.
فعلى سبيل المثال، تنص الفقرة 398 من قانون العقوبات على أنه في حالة الاغتصاب الجنسي قد تسقط الدعوى إذا وافق المغتصب على الزواج من الضحية، فيما تنص الفقرة من المادة 409 من قانون العقوبات على أنه إذا قتل الزوج زوجته لأنه اكتشف أنها ارتكبت “الزنا” فإن الحد الأقصى للعقوبة هو السجن ثلاث سنوات. وتنص المادة 41/1 من قانون العقوبات العراقي على أنه “لا جريمة إذا وقع الفعل استعمالاً لحق مقرر بمقتضى القانون ويعد استعمالاً للحق، تأديب الزوج لزوجته … في حدود ما هو مقرر شرعاً أو قانوناً أو عرفاً”.
ومقتل طيبة العلي أثار كثيرا من ردود الفعل، فقد أدانت بعثة الأمم المتحدة في العراق الجريمة وطالبت الحكومة العراقية بإلغاء بعض بنود قانون العقوبات؛ وفي ذلك، تقول رازاو صالحي، الباحثة المعنية بشؤون العراق في منظمة العفو الدولية، إن العراق “يفتقر إلى آلية إبلاغ مركزية وفعالة يمكن أن تستعملها الضحايا والناجيات من العنف الأسري أو العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي”.
وأضافت في مقابلة أنه في حالة رغبة المرأة في تقديم شكوى عن تعرضها لعنف أسرى أو ما شابه ذلك، فإن أمامها مكتبين فقط يمكن أن تقدم لهما الشكوى، لكن كلاهما “يفتقر الأساس القانوني”، مشيرة الى ان النساء والفتيات اللواتي يذهبن إلى مراكز الشرطة للإبلاغ عن مثل هذه الحوادث، يتعين عليهن العودة إلى المنزل لأنه لا يتواجد نظام إحالة مما يعني أن غالبية النساء لن يقمن بالإبلاغ بسبب الخوف من تداعيات ذلك، لذا يمكن القول إنه لا يوجد مكان يذهبن إليه، بحسب تعبيرها.
وينوه المراقبون الى ان الإحصاءات الرسمية تشير إلى أن عدد قضايا العنف الأسري التي تحال إلى المحاكم في العراق تصل إلى نحو 15 ألف حالة سنويا، ومع ذلك، من المحتمل أنه لا يجري تسجيل كثير من جرائم العنف الأسري والجنسي لعدد من الأسباب من أبرزها أن الضحايا لا يقمن بالإبلاغ بسبب الخوف خاصة في ظل القوانين الحالية، بحسب قولهم.
وكانت دراسات استقصائية حديثة أجرتها وكالات أممية متعددة قد ذكرت أن نحو 75٪ من النساء لا يبلغن عن تعرضهن لعنف أسري كجريمة، فيما قال 85٪ من الرجال العراقيين إنهم يمنعون قريباتهن من الإبلاغ عن مثل هذه الجرائم.
ولا تتواجد إحصائيات دقيقة حتى في حالة جرائم العنف ضد النساء الأكثر وضوحا مثل ما يعرف بـ”جرائم الشرف” إذ أنه من الصعب تحديد عدد العراقيات الضحايا، اذ إنه في الغالب يشمل ذلك حوادث الانتحار فيما يقول نشطاء إن العائلات تستعمل ذلك ذريعة لإخفاء الأمر وهو ما يلقى قبولا من السلطات المحلية، على حد وصفهم.
وفي مقال نشره معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في آذار الماضي، كتبت الناشطة البريطانية – الكوردية رويدا مصطفى تقول “التشريع وحده لا يمكن أن يغير الأوضاع الثقافية، لأنه من أجل إحداث تغيير ثقافي، فإن مجتمعنا في حاجة إلى حوار وطني يتطرق إلى هذه القضية بشكل شفاف وصريح”. واردفت إن العراق في حاجة إلى تغيير تشريعي واجتماعي.
ويرى باحثون ومراقبون أن الوضع في إقليم كوردستان العراق، قد يكون المثال الجيد في هذا الصدد اذ جرى سن قوانين أكثر صرامة مثل “قانون مكافحة العنف الأسري” الذي وافق عليه برلمان الإقليم عام 2011 ويتضمن عقوبة السجن المؤبد في حالة الإدانة في “جرائم الشرف”.
ويقول نشطاء إن السلطات العراقية تعطي الأولوية لجرائم القتل بين الذكور فيما تعتمد معاقبة مرتكبي جرائم العنف الأسرى أو قتل الإناث على الروابط القبلية أو السياسية.
تقول رازاو صالحي، الباحثة المعنية بشؤون العراق في منظمة العفو الدولية، إنه لا يمكنها حسم فرضية هل القانون وحده كان كفيلا بإنقاذ حياة طيبة العلي؟ واستدركت “لكن يمكننا القول انه في حالة استمرار حالة اللامبالاة من قبل الدولة بما في ذلك عدم معاقبة الجناة، فإننا سنرى المزيد من الضحايا ولن تكون طبية الأخيرة”، مشددة على أن الأمر يتطلب كثيرا من التغييرات، مضيفة أن “السلطات العراقية رفضت حتى اتخاذ الخطوة الأولى، وهو ما يوحي بأن هناك عقبات ثقافية كبيرة تعرقل إحداث التغيير”.
استطلاع: الشباب أكثر وعياً بضرورة القانون
ويلفت الحقوقيون والمراقبون الى انه في عام 2020 وبعد تقديم أحدث نسخة من قانون العنف الأسري إلى البرلمان الاتحادي للبدء في نقاشه، أجرى “مركز البيان للدراسات والتخطيط” ومقره بغداد استطلاعا للرأي للوقوف على المواقف العامة تجاه القانون.
وكشف الاستطلاع عن أن القانون الجديد يحظى بدعم 89٪ من السكان الذين شملهم الاستطلاع، فيما يعتقد 95 بالمئة من المشاركين أن ضرب الزوج زوجته يعد جريمة تتطلب العقاب قانونيا، بيد أن اللافت في نتيجة الاستطلاع أن أكثر من 77 من المشاركين الذين أكدوا على أهمية القانون تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاما.