مع اختتام كأس العالم .. كيف وفرت قطر الماء العذب في بلد صحراوي من دون انهار وإمطار

متابعة ـ التآخي

مع اختتام المباراة النهائية لكأس العالم بين الأرجنتين وفرنسا (بفوز الارجنتين) يوم الأحد 18 كانون الاول 2022، يكون ملعب لوسيل قد رُوي بأكثر من 300 طن من الماء منذ بداية البطولة، وطبعا بكميات مماثلة للملاعب الاخرى التي اقيمت عليها مباريات البطولة وعددها 8.

وللحفاظ على أسطح اللعب العشبية في حالة جيدة في المناخ الصحراوي القاسي في قطر، قام العاملون برش 10 آلاف لتر يومياً في عشرات الملاعب والملاعب التدريبية المنتشرة في جميع أنحاء البلاد.

يسلط هذا الحجم الهائل من المياه الضوء على التحديات التي تواجهها قطر، أكثر دول العالم ندرة في المياه، في استضافة الحدث الرياضي الكبير، وإدارة نموها ومحاولة التقليل من تأثيرها البيئي.

كان من الممكن أن تكون المشكلات التي تواجه الطاقم الأرضي في الملاعب الثمانية في كأس العالم أسوأ، لو أقيمت البطولة في الصيف كما هو مخطط لها أصلاً، لكان كل واحد منها، إلى جانب 136 ملعباً للتدريب، بحاجة إلى 50 ألف لتر من الماء يوميًا.

وصف فريق العمل إعداد أسطح اللعب للفرق الرئيسة في قطر بأنه “مستوى مختلف من التحدي” مقارنة بالظروف السائدة في البلدان الأخرى.

وفي حين جرى استعمال المياه المعاد تدويرها في ري الاحتياطي الضخم من العشب المتاح للطوارئ، الذي تبلغ مساحته 425 ألف متر مربع (ما يعادل ملعباً) الذي زرع شمال الدوحة لاستعماله خلال البطولة، فقد جاءت المياه المستعملة في ملاعب التدريب والمباريات من مصدر اصطناعي، وهو تحلية المياه.

ويقول رضوان بن حمادو، الأستاذ المشارك في العلوم البحرية بجامعة قطر، “إذا كنت تعتمد فقط على الموارد المائية المتوفرة بشكل طبيعي، فلن يتمكن سوى 14 ألف شخص من العيش في قطر”، وأضاف “هذا لن يملأ حتى ربع ملعب كأس العالم”، و قطر ليست بها أنهار، وتتساقط الأمطار فيها أقل من 10 سم في السنة.

ويعيش نحو 2.9 مليون شخص في الدولة الصحراوية، والفرق بين عدد الأشخاص الذين يمكن أن تدعمهم الموارد المائية في قطر بشكل اعتيادي وعدد السكان الفعلي يعني أنه يجب العثور على المزيد المياه من مكان ما.

ويقول الدكتور ويل لو كويسن، مدير برنامج الشرق الأوسط لمركز المملكة المتحدة للبيئة ومصائد الأسماك وتربية الأحياء المائية “تأتي كمية كبيرة جداً من تحلية المياه، وتقريباً 100 في المئة من المياه في الاستعمالات المنزلية الشخصية”، مبينا ان عملية التحلية تعتمد على أخذ المياه من البحر وإزالة الملح والشوائب الأخرى مما يجعلها صالحة للشرب والغسيل؛ وتنتج قطر كميات هائلة من المياه بهذه الطريقة ولكنها تحتاج بسرعة إلى إنتاج المزيد، اذ تنمو وتتطور وتواصل خططها؛ وتزايد الاستهلاك بنسبة 10 بالمئة في البطولة حيث تواجد اكثر من مليون سائح البلاد.

 

 

وتشير التقديرات إلى أنه بحلول عام 2050، يمكن أن تزيد قدرة تحلية المياه أربعة أضعاف 80 مليار لتر في اليوم.

ولكن في حين أن قطر لديها إمدادات غير محدودة فعلياً من مياه البحر، وبفضل احتياطيات الغاز الطبيعي الهائلة، فإن الموارد المالية الهائلة المطلوبة لإنتاج كميات هائلة من المياه بهذه الطريقة لها عيب رئيس واحد، إذ يحتاج إنتاجها لقدر ضخم من الطاقة.

ويقول الدكتور لو كويسن “يأتي 99.9 بالمئة من إجمالي الطاقة المستعملة لتحلية المياه في منطقة الخليج من الإمدادات الرخيصة جداً من الوقود الهيدروكربوني”.

وتعد أنواع الوقود الهيدروكربوني، مثل النفط والغاز، من المسببات الشديدة للتلوث؛ لكن في الوقت نفسه، وضعت قطر لنفسها أهدافاً بيئية طموحة، بحسب المتخصصين.

يقول الدكتور لو كويسن، هناك كثير من التطورات الجارية، “إنهم يتطلعون إلى استعمال الطاقة الشمسية لتحلية المياه. يمكن أن تكون هذه الألواح الشمسية، أو توليد الكهرباء، التي تُستعمل بعد ذلك للتناضح العكسي، أو مجرد استعمال حرارة الشمس مباشرة لتبخير المياه، وتمرر عملية التناضح العكسي مياه البحر عبر غشاء، مما يؤدي إلى تصفية الشوائب بشكل فعال، بينما يقوم التبخر بتسخين الماء حتى يتبخر ثم يتكثف، تاركًا وراءه أي شوائب”.

والطاقة الشمسية، بالإضافة إلى تشغيل محطات تحلية أحدث وأكثر كفاءة في استخدام الطاقة، هي الطريقة التي تأمل قطر أن تروي عطش البلاد المتزايد الذي تعده أيضًا قضية أمن قومي. وبعد الحصار الاقتصادي الأخير من قبل جيرانها الخليجيين بسبب نزاع سياسي، عانت قطر من نقص الغذاء. ونتيجة لذلك، فإنها تتوسع الآن بسرعة في كمية منتجات الألبان والزراعة التي تتم في أراضيها القاحلة. لكن هذا لن يؤدي إلا إلى زيادة الطلب على الاحتياطيات الطبيعية المحدودة بالفعل، على حد وصف المتخصصين.

ويقول الدكتور بن حمادو “تستعمل الزراعة ثلث موارد المياه هنا في قطر، فيما تسهم بأقل من 1٪ – ما يقرب من 0.1٪ – في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد”. وعلى عكس غالبية البلدان، فإن الاستثمار القطري الكبير لمواردها الطبيعية في صناعة المواد الغذائية، ليس للتصدير أو النمو الاقتصادي، ولكن ببساطة لتعلم أنه يمكنه إطعام سكانها في حالة الطوارئ. وفي حين أن خطط قطر المكثفة للطاقة قد تظهر غريبة لمن هم خارج المنطقة، يقول الدكتور لو كويسن إن التحديات تختلف من بعض النواحي قليلاً عن تلك التي تواجهها عديد البلدان الأخرى.

ويقول “في البلدان القاحلة، تحتاج إلى الماء، وفي المناخات الباردة تحتاج إلى تدفئة نفسك، وبالتالي لدينا جميعاً تحدياتنا الخاصة لنواجهها”.

من جهته، يقول بن حمادو “أنا متفائل تماماً بشأن كيفية تمكن البلد والمنطقة من التغلب على بعض هذه العمليات التي تتطلب طاقة كبيرة، لأنه لا يمكنك العيش من دون ماء”.

ويقول المتخصصون والمراقبون انه مع تناقل أنباء عن مساعي قطر لتقديم عرض لحدث رياضي عالمي ضخم آخر، أولمبياد 2036، فمن المحتمل أن تتواجد كثير من التحديات المقبلة.

قد يعجبك ايضا