زيارة رئيس الحكومة العراقية الى واشنطن .. الشروط والمقدمات والتوقّعات

 

 

 

 

شيروان الشميراني

نتحدث في هذا المقال عن ثلاث نقاط أساسية توضح نسبياً الزيارة التي بدأت الى البيت الأبيض، وهي التي كانت مرتقبة ومنتظرة منذ وقت طويل، عرقلتها الاحداث الداخلية في العراق التي كانت إنعاكاسات لأحداث وسياسات إقليمية وشرق أوسطية.

 

1- حالة طبيعية إجراء الزيارات الرسمية والودية بين الدول، وهي جزء من طبيعة العلاقة الدبلوماسية تمهد دائماً الى المستقبل، لمعالجة مشاكل أو تقوية الروابط، لكن زيارة الرؤساء الى واشنطن ليست كالزيارات الى العواصم الأخرى، فهي من تقود العالم وان لم تكن زعيمة له، وفي حالة العراق فإن العلاقة بين البلدين ليست كما هي بين الدول الأخرى، لها من التميز بسبب وجود القوات الاميركية في العراق منذ 2003 والحضور الدبلوماسي والاقتصادي الحاسم، النزاع الحاد بينها وبين طهران وهو قد ترك آثاره على مسار العلاقة بينها وبين بغداد، وكذلك الدور الذي يقدر العراق أن يلعبه في المنطقة لموقعه وتمتعه بوجود المرجعية الدينية الشيعية العليا في مدينة النجف، والتأثير الديني والسياسي والإجتماعي على دول الخليج العربي، كما شكلت الأرض العراقية ساحة مواجهة مباشرة مع تنطيم الدولة “داعش”.

 

معلومٌ ان الزيارة الى واشنطن أو قبولها إستقبال أي زعيم أو رئيس للدول ترجمة لأهمية تلك الدولة أو مقبولية ذلك الرئيس لدى البيت الأبيض، وأن دوراً يمكنه القيام به في المستقبل.

 

2- كان واضحاً أن الزيارة تأخرت كثيراً عما كان يريده الجانب العراقي، لأن ملفات عديدة كانت محل خلاف الطرفين ربما ليس من العراق الرسمي، أي مؤسسات الدولة وإنما من الأطراف المؤثرة خارج مؤسسات الدولة، من الجهات المسلحة التي تتصرف خارج السياسة الرسمية والتي تشكل لبنات من الهرم الاقليمي الطائفي، الإستهدافات غير المؤثرة على القواعد والمصالح الاميركية في العراق والمنطقة، والتعرض للسفارة الأميركية في بغداد ومبنى قنصليتها في أربيل، ومحاولات البنوك التابعة لتلك المجموعات المسلحة بكسر الحصار الأميركي المفروض على إيران وتزويد الأخيرة بالعملة الأجنبية من البنوك العراقية بطرق أقرب الى التهريب، ما دفعت وزارة الخزانة الأميركية إلى معاقبة أكثر من عشرين بنكاً أهلياً في العراق، والتسبب في عدم إستقرار قيمة الدينار العراقي وإصابة الحياة الاقتصادية للمواطن بأضرار وصعوبات.

 

لهذا كان على رئيس الوزراء العراقي القيام بإجراءات إدارية تنفيذية قبل التوجه الى واشنطن لمراضاتها، وفي المقدمة جاء حلّ مشكلة الحقوق المالية لإقليم كوردستان نسبياً، حيث قررت الحكومة صرف الرواتب المستحقة لموظفي الإقليم بعد شدّ وجذب دام أكثر من سنة، وجرّ إقليم كوردستان إلى متاهات ودرابين إدارية متعمدة، بين تشديدات من وزارة المالية وتحركات معرقلة لبرلمانيين عبر إستغلال قناة المحكمة الاتحادية الجاهزة لكل قرار يكون تأثيره سلباً على إقليم كوردستان ويربك الوضع فيه أو يزيد مما هو موجود، وبقدرة قادر تجاوزت الحكومة كل التعقيدات المتقصدة وشروط وزارة المالية المجحفة والمرهقة والمعرقِلة، فصرفت الرواتب بسرعة فائقة وسكتت وزارة المالية عن كل شروطها التي وصفتها سابقاً بالقانونية، لتكنوقراطيتها، وكان قرار المحكمة الاتحادية -21-2-2024  – حجة جدّ مناسبة بيد الحكومة استندت اليه في صرف الرواتب، تهيأ للسوداني الجمع بين القانون والسياسة بيده وأدّيا الغرض.

 

وفي ذات الإطار تأتي عودة رئيس الكنيسة الكلدانية “لويس ساكو” بعد شهور من مغادرته بغداد، إحتجاجاً على مرسوم رئاسي جمهوري نحّاه عن منصبه، لم تحلّ قضيته بعد، لكن رئيس الحكومة وعد بتسوية المسألة بعد عودته، كان ذلك إرضاءً لواشنطن وتخفيفاً لوجع الرأس الذي سببه له الصراع الإقليمي أو الجهود غير العراقية الهادفة إلى ترتيب البيت العراقي كما تشتهي.

 

في رسالته التي نشرها على ” فورين أفيرز” تطرّق السوداني الى ملفات كانت بمثابة رسالة أراد أن تسبقه الى البيت الأبيض والرأي العام والكونكرس، الملفات مما يبحث في اللقاء بين الرئيسين، وعرَض الرأي العراقي، إبتغى بذلك التخفيف من الضغط الذي قد يتعرض له، وقال إنّ حلّها بحاجة الى الوقت، منها السلاح خارج الأجهزة الرسمية للدولة، قال السوداني إنه من المسائل الإدارية الداخلية التي بحاجة الى المزيد من الوقت، أي أنه يعلم حق العلم سوف يكون في صدارة الحديث مع بايدن، لأن الأميركيين داخلون في مواجهة مباشرة مع حاملي تلك الأسلحة، رَمى السوداني رأيه من بعيد عبر الصحافة قائلاً قولاً مفهوماً في لغة الخطاب السياسي: إنني أعجز عن فعل ذلك في الوقت الراهن فامنحوني من الوقت أكثر.

 

كما حمل معه ملف البنوك العراقية الاهلية المعاقَبة، لا أظن أن يكون السوداني جادَّاً في هذا الملف، لكنه مجبَر لأن تلك البنوك تعود إلى أصدقائه من الاطار التنسيقي أو المقربين منهم، وكذلك متعلق بالإقتصاد الإيراني، في كل الأحوال لا مفرّ له من طرحه على الرئيس الأميركي فهو يريد النجاح لزيارته وبالتالي مضطرّ لتلبية الشروط من الجهتين الداخلية العراقية والخارجية كذلك.

 

3- الجانب الأمني وبقاء أو مغادرة القوات الدولية في العراق مطروح بينهما، وقد صوت البرلمان على قرار غير ملزم للحكومة في كانون الثاني 2020 لمغادرتهم، والمطالبات المكررة من جهات عراقية سياسية وأخرى مسلحة، هذه مسألة عويصة، أميركا لا تريد الخروج، قوى عراقية من الكورد والسنة العرب لا يريدون لهذه القوات المغادرة تخوفاً، قوى سياسية شيعية بقت هادئة، والحكومة لم تقدّم أصولياً الطلب لمغادرتها، وبالتالي فإن المتوقع أن البت في البقاء والمغادرة لن يكون في لقاء الرئيسين، وقد تشكل الإتفاقية الستراتيجية التي تعود إلى ما قبل 14 سنة الاطار الذي يجري الحديث فيه، ويكون وجود القوات الأميركية في العراق جزءاً من الأسس التي تحدد ملامح العلاقة المستقبلية ولن يكون مستقلاً، إذن الإكتفاء بإجتماعات اللجان المعينة من الطرفين ووضع خطة مستقبلة للتعامل مع هذه المسألة من دون الحسم الواضح، أو تحديد تاريخ قريب. وقد أشار رئيس الوزراء العراقي في مقاله المنشور إلى ذلك، أن تكون النهاية هي بقاء المستشارين الأميركيين في العراق مع بقاء  تحديد موعد الوصول الى تلك النقطة مجهولاً، علماً ان الأميركيين يقولون ليس لدينا قوات قتالية في العراق وإنما مستشارين فقط، ومادام الأمر هكذا فلا يتغير شيئاً كبيراً قابلاً للتناول الجادّ.

 

ويستبعد أن يشكل الإطار التنسيقي الشيعي الحاكم ضغطاً على ممثلهم في الحكومة، لأنهم صرّحوا بأن نجاح زيارة السوداني غايتهم ويجب العمل على ذلك، بالتالي إن من شروط نجاح الزيارة هو هذا الجانب، أي: عدم ممارسة الضغط على الأميركيين ، لا سيما أنهم يريدون البقاء في السلطة والإستمرار في حكم العراق، والبقاء والإستمرارية بحاجة إلى علاقات سليمة مع الولايات المتحدة حتى لو كانت هي الشيطان الأكبر.

قد يعجبك ايضا