الدكتور نوري ياسين هرزاني
لكل شعب من الشعوب وكل امة من الامم تراثاً حضارياً واجتماعياً معيناً خاصاً به، فللشعب الكوردي كبقية الشعوب ذخيرة فولكلورية بعضها مدروسة والاكثر منها غير مدروسة ومن خلال تأريخه تجمعت وتألفت لديه خبرات وعادات وتقاليد واتجاهات عمل واساليب تفكير والتي تشكل الاصالة لهذا الشعب. وان هذا لا يعني انه لم يتأثر ولم يتفاعل مع التقدم والمعاصرة والتحديث، لان العناصر الفولكلورية الاصيلة اخذت تتأثر بالموجودات او العناصر الحضارية وما طرأ عليها من تبديل وتغيير واخذت معاني مختلفة على امتداد الزمن والتاريخ. كما انها استخدمت استخدامات مختلفة في السباق الحضاري العام للقوى والتركيبات الاجتماعية السائدة فالفولكلور موجود مع عنصر التجديد والتحديث.
ففي الاسر الريفية التي تتأصل فيها العناصر الفولكلورية تتواجد فيها المواقد النارية بجانب المدافئ النفطية او الغازية وتحرث الارض بالمحراث الخشبي الذي تجره الحيوانات بجانب مكائن الحرث – التراكتور – والمنجل بجانب الحاصدة والحب بجانب الثلاجة كل هذا يدل على عدم زوال الفولكلور والعناصر الفولكلورية بل دخل عليها عنصر التحديث والتجديد.
فالشعب الكوردي كما أشرنا له تراث فولكلوري كبير ومتنوع، فالذي ساعد على تكوين هذا التراث الضخم ونموه وانتقاله من جيل الى جيل اخر هو الموقع الجغرافي الذي سلكه هذا الشعب من جبال وانهار وعيون دفاقة واراضٍ خضراء وبساتين جميلة وهواء منعش. ان هذا الموقع الجبلي المنعزل بطبيعته عن اسباب الحضارة ومقوماتها ساعد من جانبه على ان يحتفظ الشعب بفولكلوره الاصيل (.

لقد اهتم الباحثون و المستشرقون الذين زاروا كوردستان في سنوات الحرب العالمية الاولى و الثانية بالقضايا الفولكلورية للمجتمع الكوردي و دونوا ما اتاحت لهم فرصة تدوينها. يقول –غوركي- (ان الفولكلور مادة خام كبيرة وهو مصدر ومعين لجميع الشعراء و الادباء و (الباحثين الفولكلوريين) و اذا فهمنا الماضي جيداً فسيكون نتاجنا الحالي رائعاً جداً و سنفهم آنذاك بدقة اهمية الفولكلور ويقول المستشرق “ابو فيان” عن الفولكلور الكوردي” ان الروح الشاعرية تكمن في اعماق كل كوردي و حتى عند الشيوخ الأميين، فانهم جميعاً يمتلكون القدرة والموهبة في الغناء، وهم يغنون ببساطة وهدوء، يغنون لوديانهم و جبالهم و شلالاتهم و انهرهم و دورهم واسلحتهم و افرستهم، وهم يغنون للشجاعة ولجمال بناتهم و نسائهم وكل ذلك يتدفق في اعماق مشاعرهم وانفسهم دون ان يبالغوا في ذلك، ويقول المستشرق –مينورسكي- “ان الغناء الكوردي ورواية القصص الكوردية قد اصبح عادة عامة عند الاثوريين الذين يعيشون في المناطق الجبلية في كوردستان. ويقول –باسيل نيكتين-((ان الادب الكوردي هو الفولكلور الكوردي في الدرجة الاولى وأننا لا نجد في ذلك الفولكلور بقايا وتراث الاجيال والاجداد في الماضي فحسب، بل ان ذلك الفولكلور يبرهن القدرة على الحياة التي تزيد يوما بعد يوم ذلك النتاج غني وتمنحه الطراوة والسعة وليس في النادر ان نجد عناصر نتاج الشعوب الجارة تصب وتغني في قالب كوردي)).
ان هذا التراث الضخم الذي يمتلكه الشعب الكوردي لم يدرس لحد الان دراسة ميدانية وعلمية، ولم يتبع البحث والدراسات المكتوبة في هذا المجال المنهج العلمي الدقيق الذي يتطلب من الباحث الفولكلوري الميداني العلمي اساليب متعددة يستوجب اتباعه من اجل الوصول الى الجذور الاساسية لقضية الفولكلور، الا انهم اعتمدوا على معلوماتهم الشخصية والاستفسار من بعض كبار السن دون اللجوء الى الاقامة في ميدان البحث. وفي جانب آخر ان معظم البحوث والدراسات التي اهتمت بالفولكلور الكوردي ركزت على جانب واحد هو الادب والشعر وأهمل الجوانب المادية الاخرى التي تشكل جزءاً مهما من تراثنا الشعبي والحضاري الذي لا يمكن تركه او اهماله.

الغناء
لقد كانت الآداب والفنون لدى مختلف الامم مرآة للآمال العذبة التي ظلت تدور في ذاكرتها، والتي لا تجد امكانية تحقيقها واخراجها الى الواقع فتغنت بها لعلها تخفف بها عن آلامها. ان الحقيقة في جنوح الشعوب نحو الاغاني هي لكي تظهر فيها آلامها ومطامحها.
ففي الاغنية الفولكلورية الكوردية ترى ان الانسان الكوردي يعبر عن امنياته التي لا تختلف عن اماني الناس الذين يعيشون مرحلته الاجتماعية، هذه الاماني والاحتجاجات – المنبعثة عن الحياة اليومية، والتي ضمنها الفرد الكوردي اغانيه التي ينشدها في الوديان والجبال كما يغنيها الشباب والشيوخ، يبدون فيها شيئاً من الهموم المخزونة في قلوبهم ويتمتعون بقليل من مسرات الدنيا.
فالشعب الكوردي يمتلك تراثاً وفيراً من الاغاني الفولكلورية الذي تتفرع الى عدة فروع:
- كوراني: وهي وحدات شعرية مستقلة لكل واحدة او اثنتين منها معنى كامل في مجال الحب والعشق.
- بيت: وهو الغناء الحماسي الذي غالباً ما يغنى بين الفتى والفتاة.
- لاوك: وهو عبارة عن ملحمة، سواء كانت ملحمة غرامية او ملحمة بطولية.
- ديلوك: وهو الغناء الذي خاص بالرقص.
- لازه:وهو الترتيل الديني.
- حيران: عبارة عن كلمات منظمة بشكل نثر مسجوع لا تقل عن ثلاثة مقاطع موزونة في اخرها، يعبر فيها الفتى والفتاة عن همومهما.
- بريتي: هو النشيد الجماعي.