قصة مدينتين

محمد إبراهيم /اسطنبول

ما إن يطرق سمعك أو عينيك عنوان السفر الإبداعي “قصة مدينتين” حتى يشطح بك الخيال صوب تشارلز ديكنز، وهو يفتح أبواب باريس ولندن على زمنٍ مضطرب، تتداخل فيه وجوه الناس، وصخب الشوارع، وحرارة الثورة، وحكايات الحب والخوف والانتظار. هناك كانت المدن تتقاسم حظوظها من القلق والدم والحنين، وكان البشر يحملون أقدارهم فوق أكتافٍ متعبة وسط الفوضى والعواصف. غير أنّ حديثي- هنا- يمضي هذه المرّة إلى مكانٍ آخر، إلى مدينةٍ كلّما ذُكرت أحرف اسمها أمامي اهتزّ القلب لاسمها.إنها: قامشلو… وتوأمتها نصيبين.
حديث المدينتين يحتاج أعماراً كاملة حتى أفيهماحقهما، إذ تبدوان كروحٍ شُطرت إلى نصفين، ثم تُرك كلّ نصف يحدّق بالآخر عبر الأسلاك والحدود والحراس. هنا أخٌ ينتظر، وهناك أخٌ يلوّح من الجهة المقابلة، وبينهما خطوات قليلة وحكايات طويلة وليل ثقيل. شبح السياسة مرّ من هنا ذات يوم، رسم خطا فوق الورق، ثم مضى، تاركاً القلوب معلّقة عند السياج.
ورغم القسوة التي عبرت المكان ظلّ الأمل يمشي بين الناس بهدوء، يحمل وجوه الأمهات، وصبر الآباء، ولهفة العابرين صوب الأعياد والمناسبات. عند الحدود يتحوّل المشهد إلى ما يشبه القيامة الصغيرة. حشود تتقاطر من الطرفين، عيون مثقلة بالدموع، وأيدٍ ترتفع في الهواء كأنها تحاول لمس الغائبين. رجل ينادي شقيقه بصوتٍ مبحوح، امرأة تسرق نظرة سريعة إلى أمّها خلف الأسلاك، طفل يحدّق طويلا في الوجوه، دون أن يفهم” لماذا يقف الجنود بين الناس وقلوبهم”.
ثم ينتهي اللقاء سريعاً، تعود الحشود أدراجها، ويبقى القلب هناك، عند الحدود، معلّقا بصوتٍ أو دمعةٍ أو حركة يد. يمضي الناس إلى بيوتهم، فيما الخيال يظلّ يقيم على الضفة الأخرى، يعد موعدا جديداً للعيد القادم، ويحلم بلقاءٍ أطول وأدفأ وأكثر امتلاءً بالحياة.
في قامشلو كما في نصيبين يمتزج صوت الأذان بأصداء قرع أجراس الكنائس، فيصعد إلى السماء لحنٌ يعرفه المكان منذ زمن بعيد. الشوارع تحفظ وقع أقدام الكردي والعربي والسرياني والأرمني والإيزيدي، والبيوت تتجاور فيها اللغات كما تتجاور الأرواح. من نافذةٍ تسمع العربية، ومن أخرى تتسلل الكردية، فيما السريانية تمضي هادئة كترتيلة قديمة تعرف الطريق إلى القلب.
الحياة هناك تمضي على هيئة مائدة واحدة وأحزان مشتركة وأفراح تتسع للجميع. الأغاني الشعبية كانت دائما دفتر الذاكرة المفتوح، تحفظ أسماء الناس وأوليائهم وقديسيهم ومحبيهم، وتروي كيف كبرت المحبة في تلك البلاد دون ضجيج. لذلك لم يأتِ حضور اسمَي مار يعقوب النصيبيني والإمام زين العابدين في أغاني الناس مصادفةً عابرة، إذ خرج الاسمان من وجدان المكان نفسه، من ذاكرةٍ تعرف معنى القرب والاحترام والمودة.
تقول الأغنية:
تسلمي لي تسلمين
شمعة ومري للحلوين
بجاه مزار مار يعقوب
كرامة زين العابدين
تسلمي لي تسلمين
مار يعقوب النصيبيني ظلّ حاضرًا في ذاكرة المنطقة كأحد كبار رجالات الروح والمعرفة في الكنيسة السريانية. عاش ناسكا ومعلّما، وتتلمذ على يديه كثيرون، ومن بينهم مار أفرام السرياني الذي حمل أثره طويلا. الكنائس مازالت تحفظ اسمه، والتراتيل مازالت تردّد شيئاً من حكمته وصلواته، فيما بقي حضوره ممتدا بين نصيبين وقامشلي، كأنّ الرجل مازال يعبر المدينتين حتى اليوم.
أما الإمام زين العابدين علي بن الحسين فحكايته تمضي في الذاكرة على هيئة وقارٍ ومحبة وسيرة عطرة. عرفه الناس بكرمه وعبادته وقربه من الفقراء والمحتاجين، وكانت له مكانة كبيرة في القلوب. مقامه في نصيبين ظلّ شاهدا على ذلك، كما حملت قامشلي اسمَه في أحد مساجدها، وبقيت سيرته تتناقلها الألسن جيلاً بعد جيل.
ومن أكثر الحكايات حضورا تلك الواقعة التي جرت في موسم الحج حين ازدحم الناس حول الكعبة، وكان هشام بن عبد الملك بين الحشود عاجزاً عن بلوغ الحجر الأسود. في تلك اللحظة ظهر الإمام زين العابدين، فانشقّ الناس له بمحبة وهيبة، وفسحوا الطريق أمامه حتى بلغ الحجر. المشهد أثار ما أثاره في نفس هشام، وحين سأل أحد الحجاج عن الرجل تنكّر لمعرفته به. عندها ارتفع صوت الفرزدق من بين الجموع، وانطلقت قصيدته الشهيرة كأنها برق شقّ المكان:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته
والبيت يعرفه والحل والحرم
تلك الأبيات ظلّت حيّة في ذاكرة الشعر، وظلّ معها ذلك المشهد الذي انتصرت فيه الكلمة للمحبة والمقام والكرامة.
وحين يتغنّى أهل قامشلو ونصيبين باسمَي مار يعقوب وزين العابدين في أغنية واحدة، فإنّ الأمر يتجاوز حدود الكلمات والقوافي، ويمضي إلى معنى أعمق سكن الناس طويلًا؛ معنى الجيرة الطيبة، والخبز المشترك، والأبواب المفتوحة، والأعياد التي كانت تمرّ على القلوب جميعها بفرحٍ واحد. هناك كبرت الحكاية، وهناك تعلّم الناس كيف تصير المحبة أسلوب حياة، وكيف تتحوّل المدن إلى عائلةٍ كبيرة تتقاسم الذاكرة والحنين والدفء.

قد يعجبك ايضا