السخرية كآلية دفاعية للنجاة في التاريخ والوجدان السياسي الكوردي

أ.د. خليل مصطفى عثمان

في أدبيات علم النفس الوجودي، لا تُطرح الفكاهة بوصفها ترفاً للترفيه، بل باعتبارها واحدة من أشرس آليات الدفاع النفسي وأكثرها تعقيداً في مواجهة الظروف القهرية القصوى. يرى عالم النفس الشهير والناجي من معسكرات النازية، فيكتور فرانكل، أن الإنسان المقهور يطور نوعاً من “الحس الفكاهي القاتم” كوسيلة لـ “التباعد عن الذات”؛ وهي قدرة تمكنه من الانسلاخ عن ألمه الجسدي وقلقه الوجودي ليرتفع فوق الموقف وينظر إلى جلاده بعين الساخر.

هذه الآلية ليست انفصالاً مرضياً عن الواقع، بل هي قرار واعٍ بتجريد المأساة من هيبتها وقدرتها على سحق الروح. وحين نسقط هذه البنية النفسية على التاريخ الكوردي الحديث، الحافل بمقاومة الإبادات ومحاولات المحو الوجودي، نجد أن “السخرية السوداء” لم تكن مجرد نكات عابرة، بل تحولت إلى استراتيجية بقاء، وفن من فنون الحياة صاغه الإنسان الكوردي ليتنفس وسط جحيم الواقع، متسلحاً بشريكه وحصنه الأزلي: الجبل.

في مخيال السوسيولوجية الكوردية، يمتد الجبل لأكثر من كونه تضريساً جغرافياً، إنه الحضن الوجودي والملجأ الأخير الذي يختصره المثل التاريخي الشهير “لا أصدقاء للكورد سوى الجبال”. ومن هنا تشكلت ثنائية واضحة في فترات القمع؛ “السهل” حيث تهيمن أجهزة السلطة الأمنية ومعسكرات الاعتقال، و”الجبل” حيث تولد الحرية والمقاومة.

ومن هذا التمايز الجغرافي والنفسي، نبعت فكاهة كوردية فريدة تتطلع من قمم الجبال إلى الأسفل بنوع من التعالي الأخلاقي. تحولت ترسانة الأنظمة الشمولية ودباباتها وطائراتها، العاجزة أمام وعورة الصخور، إلى مادة دسمة للتندر والتهكم في مجالس المقاتلين (البيشمركة). لقد كانت السخرية هنا وسيلة لتجريد الآلة العسكرية من هيبتها، وتحويل العدو المدجج بالسلاح إلى كائن مرتبك ومثير للضحك في وسط الضباب الجبلي.

وفي حياة الجبال القاسية، حيث البرد الذي يجمد الأطراف، وشح المؤن، والمطاردة اللحوح، كانت الفكاهة هي “النار” النفيسة التي تدفئ الأرواح، حيث طوّر الكورد في جبهات القتال ما يمكن تسميته بـ “سخرية الخنادق”. تجلى هذا السلاح الروحي بشكل مذهل في ملحمة “خواكورك” الشهيرة عام 1988، والتي جاءت مباشرة بعد انكسار حملات الأنفال الإبادية السيئة الصيت. في تلك الملحمة الوجودية، وبينما كان الجيش العراقي السابق يظن أنه سحق الروح المعنوية للكورد تماماً، واجه مقاتلو البيشمركة جحافل القوات البرية والجوية بنوع من “الاستخفاف والتهكم العسكري”. تحولت وعورة الجبال الشاهقة إلى مسرح لمفارقات يومية يسخر فيها المقاتلون من ارتباك جنود السلطة وعجز آلياتهم الثقيلة بين الشقوق والصخور، حيث كان البيشمركة يتبادلون النكات والقفشات الساخرة في خنادقهم الأمامية كدرع يمنع تسلل اليأس بعد فاجعة الأنفال، محولين هدير الطائرات وقصف المدافع إلى خلفية صوتية لضحكاتهم المستفزة التي أعادت صياغة ميزان القوى النفسي قبل العسكري.

تتجلى هذه القوة النفسية الخارقة في واحدة من أكثر صور التوثيق التاريخي لفاجعة الأنفال إثارة للذهول؛ حيث يظهر في الصور والوثائق مشهد لأطفال كورد، وقد جُمعوا واقتيدوا صغاراً ليقفوا صَفاً واحداً أمام آلة الموت والترحيل القسري، وفي وسط تلك اللحظة القاتمة المحملة برائحة الفناء والمجهول، تلتقط الكاميرا طفلاً من بينهم وهو يبتسم ابتسامة هادئة وعريضة للكاميرا وللجلاد معاً. إنها ابتسامة تبدو سريالية في سياق المجزرة، وكأنه لا ينتظر حتفه، بل يقف شامخاً ينتظر دوره للانتصار؛ انتصار الحياة على المحو، وتحويل مشهد الإبادة الذي خطط له الجلاد ليكون إعلاناً للانكسار، إلى وثيقة براءة وخلود وتحدٍّ تاريخي تافهٍ بأدوات القتل.

وحتى عندما كان الموت ينتصر مؤقتاً ويُساق الكورد إلى المقاصل أو أقبية السجون السيئة الصيت، مثل “نقرة السلمان” وقلاع الأمن الاحمر، كان “وعي الجبل” وكبرياؤه يرافقانهم كدرع نفسي متين يرفض الاستسلام لمشهد الضحية. وتظل الشهيدة ليلى قاسم مثالاً حياً وخالداً على هذا التسامي الساخر في وجه الموت؛ ففي12 من ايار عام 1974، وهي تساق إلى حبل المشنقة من قبل جلادي النظام البعثي، لم تواجه مصيرها بالبكاء أو الانكسار، بل واجهت مشنقة الطاغية بابتسامة عريضة هزأت من هيبة المحكمة والجلادين معاً، مرتديةً زيها الكوردي الزاهي وكأنها زُفّت لعرس حرية، متهكمةً بروحها المتسامية على عجز حبل المشنقة عن خنق قضيتها.

هذا الشموخ نفسه سكن زنازين السجناء السياسيين ومقاتلي البيشمركة المقبوض عليهم، والذين حولوا المعتقلات الضيقة الرطبة إلى منابر للسخرية من هرم السلطة. في أوج حملات الملاحقة والتعذيب، وبدلاً من إظهار الندم أو الاستجداء، كان المعتقلون الكورد يجلسون بظهور مستقيمة وقامات شامخة يتبادلون النكات السياسية اللاذعة والساخرة التي تفكك أساطير “الحكومة” وجهازها الأمني. كانوا يقرؤون النكات كمن يتلو بياناً ثورياً، مستهزئين بـ”الرفاق” والمخبرين وسذاجة تهمهم التي تعتبر الهوية واللغة خطراً قومياً. تحويل “وجبة التعذيب” وزنازين الموت إلى قاعة ضحك وتندر بين الأسرى، كان يعيد تعريف المشهد بالكامل؛ بدلاً من أن تكون الضحية عاجزة، تصبح هي “المشاهد الساخر” الكابوس الحقيقي للجلاد الذي يرى بعينه عجز سوطه أمام كبرياء الابتسامة.

ولم تبقَ هذه الآلية النفسية الجبلية حبيسة الخنادق والزنازين، بل تسرّبت إلى النتاج الأدبي والسينمائي لتصنع تياراً كاملاً من الأدب الساخر والموجع. وتجلى ذلك بوضوح في قصائد الشاعر الراحل شيركو بيكەس، الذي وثق الفواجع الكبرى ليس عبر البكائيات المستسلمة، بل من خلال المفارقات العبثية والتهكم الساخر الذي يدمي القلب ويستدعي ابتسامة مريرة في آن واحد. كما تظهر هذه الآلية في السينما الكوردية الحديثة؛ فوسط حقول الألغام وتحت قصف الطائرات، يصر المخرجون على إبراز أطفال يضحكون وكبار سن يطلقون دعابات لا تتناسب مع قتامة المشهد. هذا التمازج ليس عبثاً درامياً، بل رصد أمين للفلكلور الكوردي الذي طالما مزج في أغانيه ودبكاته وزيه الزاهي بين عمق الفاجعة وإرادة البهجة.

في نهاية المطاف، لم تكن الفكاهة والسخرية بالنسبة للإنسان الكوردي هروباً من المأساة أو نسياناً لها، بل كانت مواجهة مباشرة مع الجحيم بابتسامة مستفزة ومطلة من قمة الجبل. لقد كانت السخرية هي الخط الدفاعي الأخير للروح الكوردية للقول إنهم قد يصادرون الأرض، ويحظرون اللغة، ويحبسون الأجساد، لكنهم عاجزون تماماً عن كسر الكبرياء الداخلي.

إن الضحك في وجه المقصلة على طريقة ليلى قاسم، والشموخ الساخر في زنازين البعث، وابتسامة طفل الأنفال، والاستخفاف بآلة القمع من فوق صخور خواكورك، هو في جوهره الفعل الثوري الأكثر راديكالية؛ لأن الروح التي ما زالت قادرة على الضحك والتندر وهي في قاع المعتقل أو في مهب الريح على قمة الجبل، هي روح عصية على الانكسار، ولم ولن تُهزم بعد.

قد يعجبك ايضا