محمد محضار
الوقوف أمام التجربة الشعرية للأستاذة الطاهرة حجازي يستدعي أولا التعريف بهذه القامة الشعرية التي لم تنل نصيبها من التقدير والاهتمام:
الطاهرة حجازي، شاعرة وكاتبة مغربية، أستاذة سابقة، حاصلة على الإجازة في الدراسات العربية، صدر لها
– عندما يتحدث الشلال ديوان شعر
– قيظ الهجير ديوان شعر
– بيداغوجيا الإبداع في شعر الطفل
الأستاذة الطاهرة حجازي حاصلة على عدة شواهد تقدير وطنية ثقافية وتربوية، وجائزة الاستحقاق الوطني للأساتذة.
شاركت الأستاذة الطاهرة حجازي بندوات تهم المرأة والطفل، في العديد من المؤسسات التربوية وبعض جمعيات المجتمع المدني.
كما عملت على تفعيل شعر الطفل، على مستوى الأكاديمية الجهوية للدارالبيضاء وقد حظيت الشاعرة بالعديد من التكريمات بمختلف المدن المغربية من طرف العديد الجمعيات الثقافية.
وسنركز في هذه الدراسة النقدية على ديوان قيظ الهجير في طبعته الثانية الصادر عن مطبعة بلال في طبعة أنيقة ومميزة تضم 16 قصيدة بعدد صفحات يصل إلى ست وثمانين صفحة، قبل الولوج إلى متن ديوان قيظ الهجير لابد من المرور عبر عتبته أو عتباته، والغلاف هو أول ما يجذب انتباهنا في هذه العتبات، حيث تتوسطه لوحة فنية تشكيلية للفنان التشكيلي والشاعر مصطفى كووار، تتضمن أشكالا متداخلة تمتزج فيها ألوان حارة (الأحمر والأصفر والبرتقالي) وألوان باردة (الأخضر والأزرق والبنفسجي) والأكيد أن لكل لون دلالة نفسية معينة، وتدل على معنى واضح، فاللون الأحمر يرتبط بلون الدم وهو من الألوان الجريئة التي تعبر عن التضحية، أما الأصفر فهو لون الشمس ويرمز للدفء والطاقة والحيوية ومزيج من التميز والقوة، و يرمز اللون الأزرق إلى السقم بسبب تلون الكدمات بلونه، ولكنه أيضا لون السماء الجميل الصافي ولون البحر، وهو يدل على الهدوء والرقة والطمأنينة.
أما البنفسجي فينسب إلى زهرة البنفسج وهو ناتج عن خلط اللونين الأحمر والأزرق، وهو لون يشعر بالخيال والرومانسية وتدفق الأفكار.
اعطى علم السيميولوجيا أهمية كبرى للعنوان إذ اعتبرته أساسيا في مقاربة النص الأدبي، وبوابة لِدخول أغوار النص، واستنطاقه.
واعتبره شولز:”خالق النص الأدبي ومانحة الهوية” عرف “جيرارجينيت”، العتبة العنوانيّة بقوله: إنها «نقطة ذهاب وإيّاب إلى النَّص» أيْ إشارات دالّة ورامزة تفتح مغاليق النَّص وتكشف عن غموضه!! وعرّفها بقوله إنّها «علامات دلاليّة تشرّع أبواب النصّ أمام المتلقّي للولوج إلى أعماقه» أي إنّها مداخل قِرائِية لكي نصل إلى أعماق النَّص إنّ العنوان وإن كان حَمّال أَوجه لا يكون صادقا دائما، فالعناوين مُخاتلة وربما صادمة.
وعنوان الديوان الموسوم ب”قيظ الهجير” نجد أنه في تجليه اللغوي يعني حرّ الهاجرة عند منتصف النهار، في حين تركيبيا هو عبارة عن جملة إسمية وإعرابه كالتالي:
قيظ: خبر مرفوع لمبتدأ محذوف وهو مضاف
الهجير: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة في أخره
العنوان مقتبس من بيت شعري للشاعر السعودي الكبير محي الدين خوجة قدمت به الشاعرة قصيدتها ويحرق البوح لغتي وخوجة سفيرلسابق لبلده بالمغرب وهو من تكفل بنشر الطبعة الأولى من هذا الديوان، يقول خوجة:
برد وقيظ واشتعال فتيـــــــــــــلة
ما من محيص في انتظار الانطفاء
وهو عنوان عميق في إشارة إلى أن العتبة ملتهبة مشتعلة ويحضرني هنا المثل العربي الشهير:
المستجير بعمرو عند كربته… كالمستجير من الرمضاء بالنار فالهجير يحيل على القيظ وكلاهما يحيل على الحر الشديد، والشاعرة كانت موفقة في اختيار عنوان ديوانها لأن الولوج إلى متنه يفضي بنا لاكتشاف نصوص ملتهبة لما تضج به من إشارات ذات حمولة ناقدة لواقع انساني غامض بدرجة أولى وواقع اجتماعي قاس بدرجة ثانية.
إذا تجاوزنا العتبة وولجنا المتن، فإننا نجد أنفسنا أمام فيض جمالي دافق يتشرب لغته من الموروث الثقافي العربي سواء القديم أو الحديث الحامل لجينات تاريخ الهوية المغربية المتأصلة التي تميز المغاربة عن غيرهم من الشعوب، لأنها تؤسس لعلاقة وجدانية راسخة بين الذات الشاعرة ووجدان الأمة.
والملاحظ أنه يمكننا الوقوف من خلال قصائد الديوان وهي كالتالي:
1)ويحرق البوح لغتي
2)بوثقة التشرّد
3)تلكؤ في المدار
4)تهَجّد على مشارف الرؤيا
5)حذار!
6)يا لمنطق الإرهاب
7)حجارة الغضب
8)أمشاج من الوهم
9)انبعاث
10)شروخ
11)من نزيف الفرات
12)شاعر من الشرق في الأندلس
13)تأمل في البداهة
14)غربة
15)الرّيح
16)إليك أبي
على الحضور الانساني، والعاطفي، والوصفي، وعلى تجربة الشاعرة الجمالية من خلال التجليات والإشراقات الوجدانية. وهذا يتطلب منا إنصاتا دقيقا إلى هذه النصوص الشعرية، عبر البحث، والكشف والسفر، في التجربة الجمالية والإنسان والرؤيا والمعمار النصي.
إن الشاعرة في هذه النصوص تؤكد على الصورة الشعرية، والموسيقى والإحساس والوجدان، والمخيلة.
فهي تكشف لنا حبها لشعرية النص وقوته التعبيرية، ومحاولتها التوفيق بين القضايا الوجودية والاجتماعية والقومية التي تطرقت لها في نصوصها وفنيات خطابها الشعري الذي يدور حول مفهوم المعاصرة والتراث في الخطاب الشعري ومدى تأثر الشاعرة بالتراث العربي الإسلامي خاصة والإنساني عامة ومظاهر هذا التأثير في ديوانها.
تقول الشاعرة الطاهرة حجازي في قصيدة:
شاعر الشرق بالأندلس
هل يُدفن التعبُ
في التّعبِ
ياذاكرةَ التاريخِ
المُؤجَّج في لهبي
جئتُكِ
منَ الزّمَنِ المنْسيِّ
الحاضرِ في رُكبِي
يَا منارةَ
تشِعُّ جمالاً
مُهرقاً أسى في كُتُبي
يا قاموسا من الذّكرى
ملْتحفاَ
برَوائِعِ الفنونِ من أدبي
يا زهرةً فوّاحَةً
ضَاعَتْ في مَضايِعِ الشّغبِ
في هذا النص العميق نلمس”شعرية” قوية تضفي عليه تدفّقا عاطفيا يسهم في ثراء الإبداع الشعري الصادر عن ذات شاعرة متمرسة وعاشت في أجواء شعرية واستعداد طبيعي لقول الشعر، ويمكن القول أن “الشعريّة ليست تاريخ الشعر ولا تاريخ الشعراء… والشعريّة ليست فن الشعر لأن فنّ الشعر يقبل القسمة على أجناس وأغراض… والشّعرية ليست الشّعر ولا نظريّة الشّعر… إن الشعريّة في ذاتها هي ما يجعل الشّعر شعرًا، وما يُسبِغ على حيّز الشّعر صفة الشّعر، ولعلّها جوهره المطلق، إنّ الشعريّة”محاولة لوضع نظريّة عامة ومجرَّدة ومحايِثة للأدب بوصفه فنًّا لفظيًا، إنّما يستنبط القوانين التي يتوجه الخطاب اللغوي بموجبها وجهة أدبيّة، فهي إذًا تشخيص قوانين الأدبيّة في أي خطاب لغوي، وبصرف النظر عن اختلاف اللغات”
2) التجربة الشعرية للكاتبة
لجوء الطاهرة حجازي لكتابة قصيدة النثر يمثل رغبة قوية لديها للتجديد ومسايرة التطور الذي يعرفه الشعر العربي الحداثي الذي راكم تجارب شعرية مؤثرة مع ظهور شعراء مبدعين من طينة أنسي الحاج ومحمد الماغوط وأدونيس ويوسف الخال أغنوا هذه التجربة وساهموا في تطويرها وقد وجدوا ضالتهم التي ینشدونھا في كتاب (قصيدة النثر من
بودلیر حتى أیامنا) للكاتبة الفرنسية سوزان برنار وقد تبنت مجلة شعر الصادرة ببيروت سنة 1957 م معظم إبداعاتهم ومقالتهم التنظيرية.
يقول يوسف الخال: “نحن نجدد في الشعر لا لأننا قررنا أن نجدد، نحن نجدد، لأن الحیاة بدأت تتجدد فینا، أوقل: تُجَددنا”
ويقول أيضا في نفس المجلة:”أن الشعر تجربة شخصية كیانیة فريدة، وأنّ التعبير عنھا يجب أن یَتِمّ بتحرير تام من تأثير القوالب التقليدية الموروثة والقواعد الموضوعة”
رغم جرأة هذه الآراء فهذا لا يمنع من التأكيد”أن الحداثة العربية ينبغي أن تنبع من الجذور العربية نفسها، ولا يمكن أن تكون صدى لسواها، ولا يمكن أن يكون هناك انقطاع مع الماضي أبدا”كما يؤكد جهاد فضل لأن الملاحظ أن البعض ينظر لقصيدة النثر باعتبارها مطية ذلولاً كما يحسبون، يبثون من خلالها خواطرهم من جهة، وباعتبارها من جهة أخرى تمثل حركة «الحداثة» الشعرية، التي انبثقت من الشعرية الغربية..
الشاعرة الطاهرة حجازي لم تكتبْ قصيدة النثر إلا وهي مطلعة على الموروث الشعري القديم سواء خلال العصر الجاهلي أو العصر الأموي والعباسي والأندلسي وكذلك لها اطلاع واسع على الشعر العربي المعاصر وبالتالي لها رصيد قوي وأدوات فنية أكسبت نصوصها شِعْرّيّة نلمسها في صورها الشعرية ذات البعد الايحائي والتعبيري تقول شاعرتنا القديرة:
صَلَّيتُ فاتهَمونِي بالجُنُونْ
قالواْ صَلاتِي باطِلةْ
تواريْتُ فَرَمُونِي بالسُّفُورِ
قالواْ عنِّي غيرُ عاقلةُ
وحينَ حمَلتُ السَّيْفَ
أردُّ في الليلِ الجناةْ
ردَّدُوا: أنتِ قاتلةْ
صوبوا إلي كلَّ الرِّماحْ
طعنونِي بكل الدُّروعْ
هشَّمُواْ سَنَابِلِي
مزَقُوا خبائلِي
قطعواْ أنَامِلي
قالوا أبدا نطاردكِ
أبداً نُحارِبُكِ
سَوْفَ نجتثك
أنتِ لَا محالة راحلةْ
استكثروا في أذني
همسة الريح
استنكروا في عيني
رعشةَ الّشمس
أجهضوا التاريخ في أحشائي
أحرقواْ مساطير كتبي
أحالواْ خضر أيامي عجافاً
عَكَّرواْ مَائي
لَوَّثوا سمائِي
قالواْ هذَا قَانونٌ
لِإقالةِ كلِّ مُوغلَةْ