النساء والحق في الاجتهاد وإنتاج المعرفة .. قراءة في مفهوم النقص وتأويلاته/1

 

د. فاطمة حافظ*

 

الحقوق الثقافية هي جزء لا يتجزأ من منظومة الحقوق التي كفلها الإسلام للإنسان؛ وهي تشمل فيما تشمل: الحق في التعليم والحق في الحصول على المعلومات دون قيد، والحق في الاجتهاد وإنتاج المعرفة. ومنشأ هذه الحقوق وغيرها في الإسلام مبدأ إعمال العقل الذي جرى التأكيد عليه في عدد كبير من الآيات القرآنية، ومما له مغزاه أن نشير أن القرآن لا يستعمل مادة (ع. ق. ل) في صيغة الاسم، فلفظة العقل لم ترد قط في القرآن الكريم وإنما وردت هذه المادة في صيغة الفعل للدلالة على أنه ممارسة تفكيرية وليس جوهراً أو مادة جامدة. وقد جعل الله تعالى العقل مناط الإيمان ووسيلة الإنسان إلى التمييز بين الحق والباطل، فيقول تعالى “وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون، ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون” (البقرة 170-171).

 

وإذا كان العقل يحتل مثل هذه الأهمية الحيوية فإن البحث فيما نُسب إلى النساء من انتقاص في العقل في حديث نبوي يصبح مدعاة للنظر؛ فما المقصود بالنقص الوارد في الحديث؟ وما هي دلالاته؟ وكيف تم استيعابه في الخبرة التاريخية؟ وهل حال دون اجتهاد النساء وانخراطهن في عملية إنتاج المعرفة والإسهام في تطور العلوم الدينية؟ وهل يمكن الاحتجاج به لتبرير غياب النساء عن ساحة إنتاج العلوم الشرعية والادعاء بأنهن غير قادرات على الاجتهاد؟

ويتطلب هذا أن نتعرف أولاً على مفهوم النقص وتأويلاته وآراء المفسرين في ذلك، ثم ننظر ثانياً في تفاعل هذا النص مع الواقع (التاريخي).

قراءة في مفهوم النقص وتأويلاته

عن أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه- أنه قال: خرَج رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- في أضحى، أو فِطرٍ، إلى المصلَّى فمر على النساءِ، فقال: يا معشرَ النِّساءِ تصَدَّقنَ فإني أُريتُكُنَّ أكثرَ أهلِ النارِ. فقُلْن وبم يا رسولَ اللهِ؟ قال تُكثِرنَ اللَّعنَ، وتَكفُرنَ العَشيرَ، ما رأيتُ مِن ناقِصاتِ عَقلٍ ودينٍ أذهبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحازِمِ مِن إحداكُنَّ. قُلن وما نُقصانُ دينِنا وعَقلِنا يا رسولَ اللهِ؟ قال: أليس شَهادةُ المَرأةِ مثل نِصفِ شَهادَةِ الرَّجُلِ قُلن بلى، قال فذلك من نقصانِ عَقلِها، أليس إذا حاضَتِ لم تُصلِّ ولم تَصُم. قُلن: بلى، قال: فذلك مِن نُقصانِ دينها. (رواه البخاري)

اتُخذ هذا الحديث دليلاً في نظر بعض المفسرين للتأكيد على نقصان عقل المرأة ورجحان عقل الرجل وأفضليته، وهذا ما يذهب إليه الفخر الرازي (ت 606هـ) في تفسيره حيث يقول “واعلم أن فضل الرجال على النساء حاصلٌ من وجوه كثيرة بعضها صفات حقيقية وبعضها أحكام شرعية، أما الصفات الحقيقية فاعلم أن الفضائل الحقيقية يرجع حاصلها إلى أمرين: إلى العلم وإلى القدرة، ولا شك أن عقول الرجال وعلومهم أكثر، ولا شك أن قدرتهم على الأعمال الشاقة أكمل، فلهذين السببين حصلت الفضيلة للرجال على النساء في العقل والحزم والقوة والكتابة في الغالب”، ولا يوضح الرازي ماهية النقص تحديداً لكنه يشير إلى أنه يتجلى في غلبة النسيان على النساء وأرجع ذلك “لكثرة البرد والرطوبة في أمزجتهن”[1]

ويقيم البيضاوي (ت 685هـ) في تفسيره رابطاً ما بين شهادة المرأة ونقص عقلها؛ ويعلق على كون شهادتها تعدل نصف الرجل بقوله “وفيه إشعار بنقصان عقلهن وقلة ضبطهن”.[2]

وفي ذات السياق ينقل ابن القيم في (الطرق الحكمية) عن أستاذه ومعلمه ابن تيمية (ت 728هـ) قوله: أن حديث الرسول السابق يؤكد أن ضعف عقل المرأة هو الذي جعل شهادتها شطر شهادة الرجل وليس ضعف دينها “فعلم بذلك أن عدل النساء بمثابة عدل الرجال وإنما عقلها ينقص عنه”، وبحسب ابن تيمية فإن هذا الضعف/النقص يتجلى في مظهرين هما النسيان وعدم الضبط[3].

ويفسر ابن القيم (ت 751هـ) نقص الشهادة بقوله إن المرأة العدل كالرجل في الصدق والأمانة والديانة إلا أنها لما خيف عليها السهو والنسيان قويت بمثلها، وذلك قد يجعلها أقوى من الرجل الواحد أو مثله”[4].

أما ابن كثير (ت 774هـ) فيخالف رأي ابن القيم السابق معتبراً أن كون شهادة المرأة نصف شهادة الرجل دليل قطعي على نقصان عقلها، قائلاً “وإنما أقيمت المرأتان مقام الرجل لنقصان عقل المرأة”، ولا يكتفي بذلك بل يذهب إلى أن شهادة المرأتين معاً لا تجعلهما كشهادة الرجل الواحد، دون أن يفسر كيف توصل إلى ذلك[5].

ويعلق ابن حجر العسقلاني (852هـ) على استفسار النساء عن ماهية نقص دينهن وعقلهن  الوارد في نص الحديث الشريف بقوله: “ونفس السؤال دال على النقصان لأنهن سلمن ما نسب إليهن من الأمور الثلاثة الإكثار والكفران والإذهاب بعقل الرجل الحازم، ثم استشكلن كونهن ناقصات، وما ألطف ما أجابهن به صلى الله عليه وسلم من غير تعنيف ولا لوم بل خاطبهن على قدر عقولهن، وأشار بقوله مثل نصف شهادة الرجل إلى قوله تعالى فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء لأن الاستظهار بأخرى مؤذن بقلة ضبطها وهو مشعر بنقص عقلها”[6]

في مقابلة تلك الآراء التي فسرت الآية القرآنية (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) على ضوء الحديث، وتوصلت إلى أن نقصان عقل المرأة يقابله تفوق في عقل الرجل وربما أفضلية؛ فإن عددًا آخر من الأصوات التفسيرية لم تنح هذا المنحى وقرأت الآية قراءة مجردة ومباشرة دون أن تقرنها بالحديث وتتخذ منها ذريعة للقول بالنقصان، فعند الزمخشري (ت 538 هـ) حيث ذهب إلى أن شهادة النساء مقبولة عند أبي حنيفة فيما عدا الحدود والقصاص، وفسر الضلال المذكور في الآية بأنه النسيان “من ضل الطريق إذا لم يهتدي إليه”[7]. وكذلك الإمام القرطبي (ت 671هـ) الذي أرجع كون شهادة المرأة نصف الرجل إلى غلبة النسيان عليها، فيقول: معنى تضل تنسى. والضلال عن الشهادة إنما هو نسيان جزء منها وذكر جزء، ويبقى المرء حيران بين ذلك ضالاً. ومن نسي الشهادة جملة فليس يقال: ضل فيها”[8] ولم يجد في ذلك مطعناً في قدراتها العقلية، وقد تأسى بهما الخازن (ت 741هـ) ولم يجد في الآية ما يشير إلى نقصان عقل المرأة أو أفضلية الرجل ولذلك اكتفى بسرد آراء الفقهاء المختلفة في شهادة النساء[9].

تفتح النماذج التفسيرية السابقة مجالاً للاستنتاج أن القول بضعف قدرات المرأة الذهنية لم يكن عقيدة مسلَمٌ بها لدى علماء السلف جميعاً، بل توقف بعضهم عن ذلك، ومنهم ابن حزم الأندلسي (ت 456هـ) الذي أجاز شهادتها على الإطلاق في كافة الشهادات دونما قيد. ومن جهة ثانية فإن القائلين بنقصان عقل النساء –على اختلافهم- قصروا هذا النقص في مظهرين لا ثالث لهما هما قلة الضبط وغلبة النسيان، وهو بهذا المعنى نقص جزئي محدود وليس كلياً، فلا يندرج تحته ضعف القدرة التحصيلية أو تدني مستوى الذكاء الفطري أو الافتقار إلى المؤهلات العقلية المطلوبة لتلقي العلم أو إنتاجه.

اتخذ القول بالنقص مساراً تأويلياً مغايراً لدى المعاصرين، فلم تعد علة النقص لدى الإمام محمد عبده (ت: 1905م) في تفسيره هي النسيان أو قلة الضبط وإنما هي إقصاء النساء عن المجال العام على نحو عرقل عقولهن ولم يتح لها الفرصة للنمو والتطور، وضرب مثالاً على ذلك بالمؤسسات المالية التي تقتصر على الرجال وبالتالي لا يستغرب ضعف المهارات العقلية الحسابية لدى المرأة[10].

ولم يسر المفسرون على نهج الإمام عبده في تفسير النقص على ضوء العوامل التاريخية والاجتماعية وما تخلفه من آثار على مدركات النساء؛ فمع التطور العلمي الحاصل في القرن العشرين وجدنا من يقحم المكتشفات البيولوجية والتشريحية في تفسير كتاب الله وسنة ورسوله، ويذهب إلى أن العلم الحديث قد برهن على تفوق عقل الرجل من الناحية التشريحية حيث ثبت علمياً أن عقل الرجل أكبر وزناً من عقل المرأة؛ كالشيخ مصطفى الغلاييني (ت 1944م) في كتاب (نظرات في السفور والحجاب) الذي خاض في جدل طويل في مسألة نقص عقل المرأة وأرجعها إلى ضعف البنية التشريحية، وامتداداً لهذا الخط ذهب كثير من المفسرين المعاصرين إلى تفسير النقص على ضوء العاطفة التي تسم المرأة والاضطراب المزاجي الذي يعتريها في أوقات معينة.

ومع نهاية القرن العشرين برزت وللمرة الأولى محاولات يمكن وصفها بالاجتهادية في التعامل مع مسألة النقص التي أوردها الحديث الشريف، وفي هذا السياق تبرز محاولتان جادتان الأولى تعود إلى الشيخ محمد الغزالي (ت1996م) والثانية إلى الأستاذ عبد الحليم أبو شقة (ت1995م) وتتميزان بأنهما تنطلقان من داخل الأرضية الإسلامية وتستندان إلى الأدوات المعرفية التي أقرها علماء السلف.

يذهب الشيخ الغزالي في كتابه (مائة سؤال عن الإسلام) إلى أننا يجب أن نفهم مقولة النقص العقلي على ضوء مقدمة الحديث التي تتحدث عن فئة بعينها من النساء يعشن في كنف الرجال ويتمتعن بكافة حقوقهن المادية ورغم ذلك ينكرن فضلهم ويجحدن حقهم، فالنقصان العقلي يختص بهذه الفئة وحدها، وبقية الحديث تبرهن على صحة ذلك حين تشير إلى تغلبهن على عقل الرجال، وتأسيساً على ذلك يرفض الغزالي محاولات تعميم الحديث قائلاً “إن نفرًا من المتحدثين في الدين شاء أن يفهم من هذا الحديث أموراً لا علاقة لها به، فصاغ قاعدة كلية نشرها في طول الأمة وعرضها مفادها النساء ناقصات عقل ودين، وسواء كانت “أل” للجنس أو الاستغراق فهذه الكلية الشائعة فاسدة من ناحيتي العقل والنقل، فقد اكتملت قديماً وحديثاً نسوة أرضَين الله ورسوله وخدمن الدين والأمة خدمات جليلة، وهذه الكلية المزعومة تناقض الآيات القرآنية التي قررت أن النساء والرجال بعضهم من بعض، وتناقض الأحاديث التي جعلت النساء شقائق الرجال”، وحسب الغزالي فإن المشكل لدى هؤلاء ليس في تعميم الحديث على مطلق النساء دون تخصيص بفئة بعينها، وإنما في تفسيره بغير ما يحتمل حين حمٌّل نقصان العقل على الحماقة ونقصان الدين على المعصية وهذا برأيه ليس إلا امتداداً لفكر الجاهلية الأولى[11].

أما محاولة الأستاذ أبو شقة التي ضمنها كتابه (تحرير المرأة في عصر الرسالة) فيمكن النظر إليها بوصفها أنضج المحاولات الاجتهادية وأكثرها اكتمالاً؛ وفيها يذهب إلى أن الحديث ينبغي النظر إليه من ثلاث نواحي: ناحية المناسبة التي قيل فيها، وناحية المخاطَبات بالحديث، وناحية الصياغة.

فمن ناحية المناسبة فالنص قيل خلال عظة للنساء في يوم عيد، ومن المستبعد أن الرسول الكريم الموصوف بالخلق العظيم أن يحط من كرامة النساء أو ينتقص من شخصيتهن في هذه المناسبة البهيجة حسبما استنتج أبو شقة.

ومن ناحية من وجه إليه الخطاب فقد كنَّ جماعة من نساء المدينة وأغلبهن من الأنصار اللواتي وصفهن عمر بن الخطاب بأنهن يغلبن رجالهن وأن المهاجرات قد تأثرن بخلقهن.

أما من حيث الصياغة اللغوية للنص فقد ارتأى أبو شقة أنها “ليست صيغة تقرير قاعدة عامة أو حكم عام” -كما توصل الغزالي من قبل- وإنما هي أقرب إلى التعبير عن تعجب رسول الله من التناقض القائم في ظاهرة تغلُّب النساء رغم ضعفهن وتساءل “هل تحمل الصياغة معنى من معاني الملاطفة العامة للنساء خلال العظة النبوية؟” ومن المحتمل أنه قاس ذلك على حديث الرسول صلى الله عليه وسلم حين داعب امرأة عجوز بقوله “إن الجنة لا يدخلها عجوز” قاصداً بذلك أنها ستُبعث شابة في الجنة. وعلى أيه حال فإن ما ذهب إليه أبو شقة في هذه الجزئية الأخيرة هو تأويل يفتقر إلى الدليل؛ فضلاً عن أنه يُخالف ما عرف عن الرسول من أنه لا يمزح إلا حقاً، وهو ما يحملنا على الاعتقاد أن مثل هذه الاجتهادات في التعامل مع النص الديني المتعلق بالمرأة تحتاج إلى اجتهاد جماعي، إذ مهما بلغ تثميننا للاجتهاد الفردي وتقديرنا لمكانة صاحبه، فإن الاجتهاد الجماعي الذي يصدر عن المجامع العلمية المتخصصة تقل فيه نسبة الاعتماد على الحدس ويتوفر على حجية علمية تفوق مثيلتها في الاجتهاد الفردي وهو ما يعني قابلية الأخذ به وتعميمه[12].

وبالإمكان أن نختتم قراءتنا لمحاولات تأويل مفهوم النقص الوارد في الحديث بالملاحظات التالية:

الملاحظة الأولى هي أن النقص لم يرد في أي نص ديني آخر؛ فهو نص وحيد في مجاله ولا تدعمه نصوص أخرى، بل على العكس فالنصوص متواترة وبكثرة حول حث الإسلام أتباعه على إعمال العقل وطلب العلم، من مثل قوله تعالى “فلولا نفر من كل فرقة طائفة منهم ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم” (التوبة 122) وقوله صلى الله عليه وسلم “طلب العلم فريضة على كل مسلم”، وهي صياغات لغوية عمومية تشمل الرجال والإناث على حد السواء.

والملاحظة الثانية أن القول بالنقص لم يظهر بوضوح لدى مفسري القرون الأولى، فلم يظهر لدى الثعلبي أو ابن حزم وهما من مفسري القرن الخامس، أو الزمخشري في القرن السادس، وإنما بدأ يظهر على استحياء في مطلع القرن السابع الهجري وترسخ في القرون اللاحقة، الأمر الذي يسمح لنا بالاستنتاج أن مقولة النقص قد تخلقت تاريخياً عبر عصور التراجع الحضاري، حيث تم إكسابها دلالات ومعان الحط من قدرات النساء وهو ما لم يفهمه علماء القرون الأولى.

أما الملاحظة الثالثة فهي أن هذا النقص لم يُفهم منه تاريخياً أن تدع النساء المجال المعرفي للرجال وحدهم، ولم يفهم منه أيضاً أن تقتصر النساء على أنواع بعينها من المعرفة الدينية –أي علوم الرواية دون علوم الدراية- فالتجربة التاريخية غنية بالنماذج التي تؤكد اشتغال النساء بشتى أنواع المعرفة، فضلاً عن أنه لم يحل دون أن يأخذ بعض الرجال بآراء النساء الدينية كما فعل عمر بن الخطاب في مسألة مهور النساء، ولعل هذا ما يبعث على التساؤل هل المشكلة تكمن في نص الحديث -والنصوص المشابهة- أم أنها في كيفية التعامل معه؟ وهو ما يفتح المجال للحديث عن جدل النص والواقع في الخبرة التاريخية الإسلامية.

النساء وإنتاج المعرفة: الخبرة التاريخية

شهد المجتمع الإسلامي منذ تأسيسه حضوراً علمياً للنساء، وجد صداه في بروز عدد غير قليل من النساء المشتغلات بالعلم أثبتته كتب التاريخ والتراجم، وفي الأسطر التالية سوف نتطرق إلى بعض النماذج الاجتهادية النسائية التي راعينا في اختيارها أن تكون دالة ومعبرة عن موقف المجتمع من عملية الاجتهاد النسائي، ومن خلالها نقدم عرضاً تاريخياً لعملية الاجتهاد النسائي على نحو تتضح معه الامتدادات والتراجعات.

عرف القرن الأول الهجري بروز عدد من النساء المشتغلات بالعلم وفي طليعتهن السيدة عائشة -رضي الله عنها- ولن نتوسع في الحديث عنها فمكانتها ليست محل نقاش. كما ذاع صيت زينب المخزومية (ت73هـ) ابنة أم سلمة التي روت عن الرسول بضعة أحاديث وكانت من أفقه نساء زمانها، وقال أبو رافع في حقها: كنت إذا ذكرت امرأة فقيهة بالمدينة ذكرت زينب بنت أبي سلمة. ومنهن أم الدرداء (ت 81هــ) التي كانت من أعلم نساء زمانها فروت الحديث ونقل عنها بعضهم، وكانت تعقد مجالس العلم بمنزلها ويتحاجج أمامها الرجال وهي تضعف رأي هذا وتقوي ذاك. وما يستلفت النظر في سيرتها أن ذلك الحجاب الكثيف الذي يفصل بين النساء والرجال لم يكن مرعياً في هذا الوقت المبكر وبخاصة حال طلب العلم؛ فيروى عنها أنها كانت تذهب مع زوجها إلى المسجد وهي ترتدي البرنس فتصلي في صفوف الرجال وتجلس في حلق القراء تعلم القرآن إلى أن قال لها أبو الدرداء يوما الحقي بصفوف النساء[13].

ومن المجتهدات في مطلع القرن الثاني الهجري عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية (ت102هـ) وهي ربيبة السيدة عائشة -رضي الله عنها- وقد جمعت بين رواية الحديث والمعرفة الفقهية، وقيل أنها كانت مصدراً لكثير من الأحكام الفقهية مثل: منع بيع الثمار غير الناضجة. وشاع عنها أنها وضعت مقداراً معيناً لحد السرقة حيث نهت عن قطع اليد فيما دون الربع دينار. ومع اتساع علومها وفد إليها طلاب العلم للتعلم ووصفها أحدهم بأنها “وعاء العلم وبحره الذي لا ينفد” وقد عاصرت الخليفة عمر بن عبد العزيز فكان يسألها في بعض المسائل، وحين طلب من جمع الحديث الشريف قبل أن يُقضى أهله كانت عمرة من بين أهل العلم الذين تعينوا لهذه المهمة.

ومع انتشار الإسلام في الأقطار ظهرت في القرن الثالث في المغرب الإسلامي خديجة القيروانية (ت 270هـ) وهي ابنة الإمام سحنون الفقيه المالكي المعروف، وكانت ضليعة في الفقه وتصدرت للإفتاء وكان أبوها يستشيرها في بعض المسائل التي ينظرها أمام القضاء.

واستمرت المشاركة العلمية النسائية في القرون التالية ففي القرن الرابع تبرز فاطمة بنت عبد الواحد المحاملي (ت 377هـ) التي وصفها الذهبي بأنها “من أحفظ الناس للفقه” إذ تفقهت بالمذهب الشافعي على يد أبيها حتى تصدرت للإفتاء مع أبي علي بن أبي هريرة[14]، وفي القرن السادس برزت فاطمة السمرقندية من أقصى الشرق الإسلامي، وهي ابنة الإمام منصور السمرقندي صاحب الكتاب الشهير (تحفة الفقهاء) وقد بلغت مبلغاً من العلم جعل والدها يعرض عليها الفتاوى فتناقشه فيها، وكانت تعلق عليها بخطها كما كانت توقع على رقع الفتاوى بعد توقيع أبيها الذي لم يستشعر أدنى حرج في ذلك وهو الفقيه الحنفي البارز.

قد يعجبك ايضا