جاسم الشمري
مَن يُطالع كتب الأدب العربيّ القديم والحديث يجد من النادر ألا يتطرّق الأدباء والشعراء للتغني بالعيد وأفراحه ومعانيه الجميلة والأجواء الرقيقة التي تُحيط به! وبين تلك النصوص الأدبيّة العذبة تَشْخَص أمامنا بين نصّ وآخر مقالات وقصائد ونصوص تتناول العيد والواقع أنّ هذا هو حال الدنيا فهي تتنقّل بالإنسان بين الخير والشرّ، والأمان والخوف، والصحّة والمرض، والسعادة والتعاسة، والحرّيّة والقيود، والنور والظلمات، والنوم في أحضان الوطن، والضياع في طرقات المهجر، والأفراح والأتراح، والحياة والموت!
ومعلوم أنّ الأيّام الجميلة والمُريحة للإنسان على هذا الكوكب قليلة، وربّما نادرة، وقد تكون من أروعها أيّام العيدين المباركين، الفطر والأضحى!
والعيد بالنسبة لما يقرب من ثلاثة ملايين عراقيّ مهجّر خارج الوطن مناسبة مُتكرّرة تُجَدِّد الحنين إلى الديار والأحبّة؛ ومناسبة لإشعال مشاعر التعاطف والأمل، والمهجرون يعانون، ومنذ سنوات، من نيران هذه الأحاسيس التي لا يمكن أن تنطفئ إلا باللقاء والاتّصال.
وربّما هنالك مَن ينتقد التباكي على الوطن!
ولا أدري هل من الهَيّن والمقبول فكريّا ونفسيّا أن يفقد الإنسان الإحساس بمنازل وأوقات السعادة والأفراح والسرور، ويتكلّم عن التعاسة والأتراح والألم، وهل من “خَوَارِم” المروءة الحديث والكتابة بحزن لوصف المناسبات السعيدة؟
صدقا، ربّما هي حالة إنسانيّة شَفّافة تنشأ من فرط الحنين للماضي الجميل وللإنسان الآخر القريب “البعيد”!
فإن كان العيد مناسبة لإنعاش الحياة وللسعادة ولتحدّي الرتابة القاسية، فلا أظنّ أنّ هذا الكلام ينطبق على حياة غالبيّة المُغْتربين الذين تُجَدِّد الأعياد فيهم آلام الذكريات والحنين للوطن والأحباب!
حسرات العيد والغربة تؤكّد بعض صور الألم من هجران العراق ويبقى السؤال المطروح: إلى متى سيبقى أكثر من ثلاثة ملايين عراقيّ خارج وطنهم؟
المغتربون العراقيّون في أكثر من ثمانين دولة حول العالم تُحلّق أرواحهم نحو أرض الذكريات والحنين للأمس الجميل، والبيت الآمن، والوطن البعيد “القريب”!
وهنا قد يقول قائل: إنّ الغربة أفضل من الوطن في بعض الأحوال والظروف وبالذات في ظلّ حالة اللا دولة!
وهذا الكلام يُمكن قبوله فيما لو كانت غالبيّة دول المهجر لا يُعاني فيها الغرباء من العنصريّة والنفور والتغريب المجتمعيّ وغيرها من السموم الإداريّة المفقودة في البلد الأمّ.
صحيح أنّ الزمان هو الزمان، والإنسان يفترض به أن يَتكيّف مع الأماكن الجديدة التي أُرْغِم على العيش فيها، ولكنّ الأصحّ أنّ الإنسان ليس آلة منزوعة المشاعر والأحاسيس؛ ويمكنه أن يكون بلا أهل وأصدقاء ومعارف تربطه بهم سنوات مليئة بالحبّ والسعادة والخير!
إنّ دوّامة الغربة المهلكة ليست رحلة ربيعيّة مجّانيّة إلى منتجع مليء بالورود والزهور والحياة المترفة الناعمة، بل هي مرحلة مخيفة بدأت منذ اللحظات الأولى لعبور الحدود، مرورا بإجراءات سمات الدخول المليئة بالفزع لدولة أخرى، وصولا إلى معضلات الإقامة والسكن والعمل والمدارس والعلاج وغيرها من ضروريّات الحياة التي تقلب الغربة إلى كابوس مرعب وليل مخيف!
لقد لعبت السياسة لعبتها في ضياع كفاءات العراق العلميّة والثقافيّة والفنيّة خارج أرض الوطن، وآخرهم الفنّان المسرحيّ علي إبراهيم الذي توفي الأحد الماضي (25 حزيران/ يونيو 2023)، في مدينة إسطنبول التركيّة!
وسبق للفنّان الراحل أن نشر قبل أيّام مقطعا مُصوّرا مُؤثرا وكان رسالة للمسؤولين العراقيّين، أكّد فيها أنّه لا يَمْلك ثمن العلاج، وطالبهم بالاهتمام بالمثقّفين والفنّانين!