عصام الياسري
الدستور العراقي على علاته، يقر، بأن “الشعب مصدرالسلطات“، والمشرعون الطائفيون يتبجحون بأنهم ملتزمونبمبادئه دون مواربة!!. لكن إذا كان الشعب حقا، مصدرالسلطات، ونعني “التشريعية والتنفيذية“ ولا نستثني“القضائية“، فلماذا لم يع هؤلاء المشرعون ضجر الشعب علىمدى عشرين عاما من سوء الأوضاع وتراكمها على جميعالمساحات والصعد؟. وإن كان الدستور مجموعة أحكام في العرفالمدني، الفيصل، لإحلال السلم الأهلي وإعلاء شأن العدلوالمساواة وضمان حقوق الناس مهما اختلفت انتماءاتهم ومللهم. فمن أعطى أصحاب السلطتين (التشريعية والتنفيذية) حق شرعنةاستثناءات دستورية لخدمة مصالحهم، بأي حال لا تتناسب معالمصالح العامة للمواطنين، خذ مثلا: مسألة الرواتب الضخمة التييتقاضاها منتسبو السلطات الثلاث وما يحيطها من دوائروأحزاب وموظفين وهميين، فضلا عن تعدد وتنوع الامتيازاتوالمكافآت، أموال وعقارات وقصور وسيارات وحمايات إلخ. فيمايعاني عامة الشعب من ردع وقهر وجوع وعراء وبطالة وأمراض لاطائل منها. ولأن الدستور مليء بالتناقضات والكثير من موادهقابلة للتأويل والتجيير، فسهلا على مافيات السياسية وأحزابهاالمتسلطة الالتفاف على القوانين الدستورية الملتبسة بما يخدممصالحها الطائفية والحزبية. الخطير، أن هذه الطبقة الساقطةسياسيا وأخلاقيا قد جعلت من ممارساتها اللاقانونية أمرا طبيعياللاستئثار بالسلطة دون منازع.
مؤخرا رفع الستار عن عرض الفصل الجديد من مشهد دراماالعراق وسط هرج ومرج مثير للغاية… إذ تنصلت أحزاب الإطارالتنسيقي عن اتفاقها مع الحزب الديمقراطي الكردستاني(مسعود البرزاني) دون أن يعرف أحد مضامين ذلك الاتفاق وماتمت مقايضته لإتمام صفقة تشكيل (حكومة السوداني) بعدانسحاب الصدر عن المشهد السياسي. وهناك اتفاق آخر قد تمبين رئيس الوزراء محمد السوداني والكرد. أدى كلا الاتفاقين إلىتداعيات أنتجت تأجيل المفاوضات بشأن مشروع قانون الموازنةالعراقية لعام 2023 وسط خلافات شديدة بين العديد منالأطراف. وكان نائب رئيس البرلمان قد قام بتعليق عمل اللجنةالمالية بالهيئة التشريعية “البرلمان” بسبب مخالفات قانونيةوغموض في مضامين الاتفاقات المشتركة بين كل من “الإطارالتنسيقي” و “مسعود برزاني” من جهة و (السوداني الحكومةالفيدرالية العراقية) و (برزاني حكومة إقليم كردستان العراق شبهالمستقل) من جهة ثانية. سببت حدوث خلافات عميقة بين الحزبينالكرديين الرئيسيين (البارتي والاتحاد) الحاكمين في إقليمكردستان العراق.
الجدير بالذكر أن حكومة (السوداني) الاتحادية كانت قد أرسلتفي منتصف مارس آذار مشروع ميزانية ثلاث سنوات إلىالبرلمان، تشكل مؤشرا بأن الحكومة مستمرة لثلاث سنوات دونقيام انتخابات مبكرة في هذا العام. وقامت في أوائل أبريل/ نيسان بتوقيع اتفاقية مع حكومة إقليم كردستان بشأن استئنافصادرات النفط إلى تركيا، ومشروع قانون الميزانية العراقية،ومناقشات جديدة بشأن قانون نفط وغاز اتحادي جديد.
فإذا كان الدستور العراقي، يؤكد، بأن الشعب مصدر السلطات،أفلا من حق المواطنين معرفة ما يدور في الدهاليز من أمورسياسية واتفاقات وعقود تستنزف الدولة وتعرض مصالح الأمةللخطر. إذ لا يسمح الدستور لأي جهة حزبوية أو مجتمعيةالتجاوز على مسؤوليات الحكومة المركزية الحصرية، كما لا يسمحلأي طرف أو حزب مصادرة الدولة في إطار مفهوم الدولةكمؤسسة لها اعتباراتها القانونية. فما الذي استوجب عدم كشفمضامين اتفاقات في غاية الخطورة في شأن عام (من اختصاصالدولة وحكومتها المركزية حصرا)؟. بل لماذا سمحت المؤسسةالتشريعية والقضائية لأحزاب شعبوية لا رقابة أو سلطة عليها عقداتفاقات فيما بينها، تمس أمن الدولة ومصالحها العليا بمعزل عنالشعب وعلمه؟. في الدولة الديمقراطية المدنية التي يسودهاالقانون والرقابة والمحاسبة، لا يستطيع أي مسؤول مهما كانمنصبه وتحت أي ذريعة كانت، التجاوز على المبادئ والأساسياتالمتعلقة “باستقلال الدولة وسيادتها” ومنها استقرارها المجتمعي،السياسي والاقتصادي، وان حدث سيعتبر خرقا اعتباريالمؤسسات الدولة وخيانة عظمى لشأن عام يعاقب عليه بلا رحمة ولايقبل المساومة أمام القانون!.
أما في بلد كالعراق يعاني من ازدواجية المعايير وأوضاع سياسيةمعقدة ونظام حكم طائفي راديكالي، ودستور مركب سلب الدولةومؤسساتها كل أساسياتها الشرعية والقانونية والإدارية. اشتدالصراع بين طرفين متناقضين في المواقف والممارسات والمناهجوالرؤى: بين قوى اللادولة “طبقة شللية طائفية شوفينية“، وسلطةالدولة الضعيفة، حتى أصبح مفتوحا على كل الاحتمالات. فالأولىتقوض الدولة بكل ما تملكه من قوة، فيما الثانية مسحوقة لا تمتلكوسائل الردع الحرفية والسياسية والمؤسساتية بشكل جعل هيبةالدولة في أتون المجهول وعرضة للجدل الجماهيري.
إن تصاعد الصراع من جديد بين الأطراف السياسية بسبب أزمةتمرير قانون الموازنة الأخير، من شأنه أن يفضي إلى مخاطرحقيقية على الدولة والمجتمع. فالموازنة يشوبها الكثير من الغموضوالتستر القانوني والدستوري، ومضامين الاتفاقين مجهولة. فيماالأموال المالية التي يفترض أن تصرف للمحافظات والوزاراتلتنفيذ مشاريعها، توزع كـ (هبات) على الأحزاب التي تتقلدوزارات عبر لجانها الاقتصادية وفقا لمبدأ المحاصصة التوافقي. لكن على ما يبدو أن قادة “الإطار” متخوفون من انقلابالسوداني عليهم وضياع المرجو إن لم يعجلوا بأي ثمن إقرارالموازنة التي انكشفت أسرارها قبل إقرارها. فعلى سبيل المثال: في الوقت الذي تفرض الحكومة رسوما خانقة على العراقيين،يحصد الكرد 20 % من الموازنة لثلاث محافظات، وهو ما يعادلحصة 6 محافظات جنوب العراق. فيما تحصل الأمانة العامةلمجلس الوزراء على 920 مليار دينار عام 2023 في حين كانت186 مليار دينار عام 2021، مع أن عمل الأمانة لا يتعدى متابعةقرارات مجلس الوزراء، ولا يعلم أحد لماذا هذه المبالغ الطائلة؟. أماحصة وزارة الخارجية من الميزانية عام 2021 (363 مليار دينار)،زادت عام 2023 بمعدل مرتين ونصف (837 مليار دينار). ووفقالما تسرب مؤخرا، فإن مخصصات مكتب رئيس الوزراء قد ارتفعبمعدل أكثر من 15 ضعفا، من 76 مليار دينار عام 2021 إلى229 مليار عام 2023، زائد 990 مليار دينار لمكاتب تابعة لرئيسالوزراء. علما من أن 85 % من الواردات المالية السنوية للدولةتذهب لجيوب الأحزاب الحاكمة و15 % فقط يذهب لخزانة الدولةالعراقية،، ومن هالمال حمل جمال!!.