طارق كاريزي
خلال العقدين الماضيين من 2003 حتى 2023،عاش العراق في حالة صعبة من التغيير الذي شابهعواصف مدمرة من الصراع والحرب الداخلية الرهيبةالتي تركت آثارا قاسية على اللحمة الاجتماعيةوالنسيج الوطني العراقي، ودفع ملايين العراقيينباهظا ضريبة تشابك الاجندات وتداخل خيوطالصراع، وبلغ العنف أقسى درجات البطشوالتطرف وأشد مراحل التهديد خطورة.
في خضم هذه الاجواء الخطرة التي مرّ بها البلد،أصيبت عدد من المحافظات بالكامل بحالة من النكبةالتي لم يشهدها البلد طوال أكثر من قرن مضى،البنى التحتية دمرّت والرصيد الحضاري وبناه تمنسفه وتبديده، وتشرد الملايين من العراقيين نازحينومهاجرين. هذا الوضع الصعب الذي أدخل الشعبفي أتون مظلم، دفع المجتمع الدولي لنجدة العراقومساعدته من حيث الجهد العسكري للخروج منأزمته الخطرة جدا.
وضمن اجمالي صورة المشهد التراجيدي العراقي،كان لمدينة سنجار وأهلها صورة موغلة في المأسويةوجرح أكثر عمقا بما لا يقارن مع ما حل بباقيالعراقيين في المناطق التي تعرضت لنكبة الارهابوعبث مسلحيه. العراقيون في جميع المناطق التيوقعت تحت سلطة ونفوذ المجاميع المسلحة للمتطرفين،تعرضوا للقتل والاضطهاد والجوع والتشريد وخرابالأملاك وخسارة المال، لكن الذي حل بأهالي سنجارتجاوز كل ذلك، فقد تعرض أبناء هذه المنطقة الكريمةالى صور بشعة من القهر والظلم تجاوز بأضعاف ماتعرض له الباقون.
لقد نفّذ مسلحو داعش ما هو أشرس وأبشع منشرعة الغاب وأساليب أكثر ظلامية مما طبق فيالقرون المظلمة، ضد المدنيين في سنجار. عدد غيراعتيادي من المقابر الجماعية، حملات ابادةوتصفيات جسدية رهيبة، أسر أكثر من (6) آلافكسبايا تم التعامل بهن في سوق النخاسة، علاوةعلى عبث الارهابيين بشكل فاق كل الحدودوالتصورات بمصير سكان سنجار الذين لجأ أكثرمن 100 ألف منهم الى جبل سنجار ولاذ مئاتالآلاف منهم بالهرب نحو محافظات اقليم كوردستانوسوريا فيما هاجر أكثر من ألف100 آخرين منهمالى بلدان المهجر.
أكثر من ست سنوات مرّت على طرد داعش منسنجار، الا ان جراح المنطقة مازالت تنزف. فلم تتهيأالظروف حتى الآن لعودة حوالي 300 ألف منهميعيشون في مخيمات في محافظة دهوك، الوضعالأمني في المنطقة مازال غير مستقرّ، بسبب تعددالقوى الأمنية العاملة في المنطقة وتباين مرجعياتكل منها، مما ينذر بتفجر الأوضاع في اي لحظةممكنة. والأدهى والأخطر من كل ذلك، هو اعادةتوطين المتورطين والضالعين ضمن اطار تنظيمداعش بجرائم ضد أبناء سنجار في المنطقة بعداعادتهم من مخيم الهول في سوريا.
سنجار من المناطق المتنازع عليها بحسب منطقالدستور العراقي، وهي منطقة كوردستانية عزلتهاالحكومات السابقة عن كوردستان، وهذا يعني انطرفي الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كوردستانمسؤولتان معا حيال ملف سنجار وتداعياتهوتفرعاته. حري بكلا الطرفين ان يسعيا لما هو فيصالح أبناء هذه المنطقة الأكثر تضررا ماديا ومعنويامن ظاهرة تمدد دولة الارهاب خلال الفترة 2014- 2017، ومن دون تعاون الطرفين لا يمكن تحقيقالأمن والاستقرار في سنجار بالشكل الذي يمهدلعودة النازحين من أهلها ضمن اطار تطبيعالأوضاع في هذه المنطقة المنكوبة.
الاتفاقية التي سبق وأن تم توقعيها من قبل بغدادواربيل ودعمتها الأمم المتحدة، هي خارطة طريقمثلى للبدء بحل ومعالجة ملف سنجار بالشكل الذييمهد لعودة النازحين ولتبدأ حملة اعادة اعمار المنطقةالتي مازالت تعاني الأمرّين من مخلفات الارهاب.