آزاد صالح نادر أغا رواندزي
باحث وأستاذ جامعي في مجالات الإدارة والتكنولوجيا بجامعة نولج
اربیل اقلیم کوردستان العراق
لم تكن سيول الأمس في أربيل مجرد تقلب جوي عابر أو غضبة طبيعية عابرة، بل كانت اختباراً إنسانيّاً صارخاً انكشفت أمامه معدن النفوس وسقطت فيه أوراق التوت عن وجوه اعتادت الاصطياد في مياه آلام الناس. فبينما كانت المدينة تتكبد خسائرها وتلملم جراح أبنائها، ووسط مشاهد الفجيعة التي تئن تحتها القلوب، تحركت ماكينات الرخص السياسي لتتحول الكارثة إلى مادة للتشفّي والمزايدة، في مشهد يعكس انحداراً أخلاقياً غير مسبوق في الخطاب الحزبي والإعلامي.
لقد استبقت جهات حزبية منافسة الحدث لتوظيفه ضمن أجندة ضيقة ترمي إلى “تسقيط السلطة” والمناكفة السياسية، غير عابئة بأن الدماء والأموال التي تضررت هي لأناس آمنين، وبأن وجع أربيل هو وجع لكل إنسان حيّ الضمير. هذه العقلية الحزبية العقيمة، التي اتخذت من المآسي رصيداً سياسياً رخيصاً، تدل على إفلاس فكري وأخلاعي يجعل أصحابها عاجزين عن تقديم أي حل أو مساهمة حقيقية لتقليل الآثار السلبية، مكتفين بالجلوس على تل الشماتة ونفث سموم الكراهية عبر منصات التواصل الاجتماعي.
ولا يتوقف الألم هنا، بل يمتد ليعكس حسرة بالغة تجاه عقلية بعض المواطنين في مدن كوردستانية أخرى، ممن غيبت عنهم الروح الوطنية والسليقة الإنسانية، فجرفهم التيار الحزبي الأعمى ليتراقصوا على جراح مواطنيهم، ضاربين بعرض الحائط أواصر العيش المشترك والأخوة. والأمر ذاته ينسحب بأسف بالغ على شريحة من المواطنين من قوميات أخرى المقيمين على أرض كوردستان – والذين طالما حظوا بكل احترام وتقدير وساهموا في مجتمعنا – إلا أن البعض منهم انزلق للأسف في ذات المستنقع الشماتي، متنكراً لخبز الإخاء وحق الجيرة في ساعات الشدة.
ووسط هذا كله، يبرز صمت مطبق وغريب من الحكومة الاتحادية في بغداد؛ صمت يرتقي لمستوى التواطؤ المعنوي أو التخلي عن المسؤولية الإنسانية والوطنية تجاه مدينة عراقية كبرى تعرضت لكارثة طبيعية، إذ لم تصرح بغداد بكلمة عزاء واحدة، ولم تبدِ أي موقف تضامني، مما يعكس ازدواجية معيارية مؤسفة في التعامل مع أبناء الوطن الواحد حين تتعلق الإرادة السياسية بحسابات ضيقة.
إن أربيل الأبية، بتاريخها وعنفوان أبنائها، أكبر بكثير من أن تنال منها عواصف الحقد أو خطابات المأجورين. فالكوارث تمضي، ويبقى الأثر الإنساني والتكاتف الحي هو ما يخلده التاريخ. وما أحرانا اليوم بأن نغربل صفوفنا، ونُسقط هذه العقليات المريضة التي لا تهلك إلا الحرث والنسل، لنعود إلى إنسانيتنا الأولى التي تجعل من الألم نافذة للتضامن لا مرآة للشماتة.