نتاج العقل بين الذكاء والغباء

للدكتور تحرير طه عبد الإله العامري
اكاديمي عراقي، مفكر اديب روائي، مؤلف في اصول الدين.

تتفاوت العقول في نتاجها كما تتفاوت في منطلقاتها وغاياتها؛ فهناك عقل ينتج الفكرة ويجتهد في بنائها، وعقل آخر لا يجد في نفسه القدرة على الإنتاج، فيلجأ إلى استهلاك أفكار الآخرين أو الاستيلاء عليها ونسبتها إلى ذاته. وبين هذين النموذجين مسافة واسعة تفصل الذكاء عن الغباء، والإبداع عن التقليد، والاستحقاق عن الادعاء.

فالذكاء ليس مجرد القدرة على الوصول إلى المعلومة، بل القدرة على تحليلها وتطويرها وإنتاج معرفة جديدة من خلالها. أما أن يأخذ الإنسان جهد غيره، ويعيد تقديمه بوصفه إنجازاً شخصياً، فذلك ليس ذكاءً، بل احتيال يرتدي ثوب المعرفة. والسرقة الفكرية لا تكشف عن ضعف الأمانة العلمية فحسب، بل تكشف أيضاً عن عجز العقل عن تقديم ما يثبت استقلاليته وقدرته على الإبداع.

ولا تقف مخرجات بعض العقول عند حدود سرقة الأفكار والجهود، بل قد تدفع أصحابها إلى صور أكثر خطورة من الاستغلال والاعتداء على حقوق الآخرين؛ فتجد من يوظف ذكاءه في استغلال حاجة الفقراء، والانتفاع من ضعفهم، والضغط على ظروفهم المعيشية لانتزاع ما لا يستحقه منهم. وقد يمتد الأمر إلى الاستيلاء على الأموال والممتلكات والحقوق بغير وجه حق، أو الالتفاف على القوانين والالتزامات لتحقيق مكاسب شخصية على حساب أصحاب الحقوق.

وهنا يصبح العقل، الذي كان يفترض أن يكون أداة للتمييز والإنصاف، وسيلة لإنتاج الحيل وتبرير التجاوزات. فليس كل من أحسن تدبير مصالحه ذكياً، ولا كل من استطاع الوصول إلى أموال الآخرين مستحقاً لها؛ إذ إن الفارق بين الذكاء والاحتيال هو حضور الضمير، والفارق بين القدرة والاستحقاق هو احترام حقوق الناس. وما قيمة عقل ينجح في تدبير مصالح صاحبه، لكنه يفشل في إدراك حرمة أموال الناس وكرامتهم؟

ولعل ما يميز الإنسان عن سائر الكائنات الحية هو العقل الذي منحه القدرة على التفكير والتمييز وإدراك معاني الحق والباطل، في حين تتحرك الحيوانات وفق غرائزها وطبيعتها التي فُطرت عليها. ومن هنا، فإن الإنسان حين يوظف عقله في إيذاء الآخرين واستغلال حاجاتهم وسلب حقوقهم، فإنه لا يمارس ذكاءً بالمعنى الإنساني، بل يسخر قدرته العقلية لخدمة نزواته وغرائزه. فالحيوان لا يُحاسب على افتقاره إلى الإدراك الأخلاقي الذي لا يملكه، أما الإنسان فقد مُنح العقل ليضبط به غرائزه، لا ليمنحها أدوات أكثر تعقيداً للإيذاء والاعتداء. وحين يفقد الإنسان القدرة على التمييز بين الحق والباطل، ويعطل حكم العقل والضمير، فإنه يفقد جوهر إنسانيته، وإن ظل محتفظاً بقدرته على التفكير والتدبير. فليس كل من امتلك عقلاً أحسن استعماله، وليس كل من أجاد الحيلة امتلك الحكمة.

إن العقول المنتجة لا تخشى الاعتراف بمصادر المعرفة، ولا تجد حرجاً في الإشارة إلى أصحاب الأفكار والجهود؛ لأنها تدرك أن الاعتراف بفضل الآخرين لا ينتقص من قيمتها، بل يضيف إلى رصيدها الأخلاقي والعلمي. أما العقل الذي يسرق ثم يتعالى، وينتحل ثم يتفاخر، فإنه يجمع بين عجز الإنتاج وفساد الاستحقاق.

والأكثر غرابة أن بعض العقول لا تكتفي بالاستيلاء على نتاج الآخرين، بل تنشغل أيضاً بانتقاص أصحاب العلم والخبرة، وكأنها تحاول أن تعوض ما ينقصها من قيمة بتقليل قيمة من حولها. وهنا لا يعود النقد وسيلة لتصحيح الأفكار، بل يتحول إلى أداة لتشويه أصحابها، ولا يعود الاختلاف تعبيراً عن تنوع المعرفة، بل يصبح وسيلة لإخفاء العجز عن مجاراتها.

إن العقل الناضج يعرف أن قيمة الإنسان لا تُبنى على إسقاط الآخرين، وأن الاعتراف بتميز الغير لا يعني التخلي عن التميز الشخصي. وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: 85].

ولعل أكثر ما يفضح الإنسان في محاولته تعويض فراغه الداخلي هو استصغار الآخر؛ إذ حين يعجز عن أن يكبر بإنجازه، يحاول أن يبدو كبيراً بتصغير من حوله.

قد يعجبك ايضا
∧