حقوق الإنسان في الدول النامية؟

د. مصطفى الساعدي

في دولة نامية، حيث يعيش أربعة من كل عشرة أشخاص تحت خط الفقر، ، يبدو الحديث عن “حقوق الإنسان” وكأنه ترفٌ بعيد عن الواقع. لكن الحقيقة أن هذه الدول هي بالضبط المكان الذي تُختبر فيه الحقوق اختبارها الحقيقي. فليس في الدول الغنية والمستقرة حيث تُبنى الحقوق، بل في الدول النامية حيث تتشابك الندرة مع الطموح، وتتصادم التقاليد مع المعايير الدولية، ويصارع المواطنون من أجل كرامةٍ لم تُضمن بعد. والسؤال الملحّ ليس “هل يمكن بناء حقوق الإنسان في الدول النامية؟” بل “كيف تُبنى؟” وما هي الطرق التي أثبتت نجاحها في تحويل الحقوق من نصوصٍ مستوردة إلى واقعٍ محلي .

تبدأ الرحلة من الاعتراف بأن بناء حقوق الإنسان في الدول النامية لا يمكن أن يكون نسخةً من تجارب الدول المتقدمة. فالنموذج الديمقراطي الليبرالي، الذي وُلد في سياقاتٍ تاريخية مختلفة، كثيراً ما فشل حين فُرض على دولٍ خرجت من الاستعمار أو عاشت تحت حكمٍ عسكري. والدرس المستفاد أن الحقوق لا تُستورد، بل تُبنى من الداخل، عبر حوارٍ وطني حقيقي يشارك فيه جميع الأطراف، ويأخذ في الاعتبار الخصوصيات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية لكل مجتمع. وهذا لا يعني التنازل عن العالمية، بل يعني ترجمة المعايير العالمية إلى لغاتٍ محلية وثقافاتٍ قادرة على استيعابها .

ان البناء هو الإصلاح التشريعي والمؤسسي. فالدول النامية تحتاج إلى دساتير وقوانين تُدرج حقوق الإنسان في صلبها، لا في هوامشها. وهذا يتطلب مراجعة القوانين القديمة التي تحمل إرثاً تمييزياً، وتحديثها لتتوافق مع المعايير الدولية. لكن القانون وحده لا يكفي؛ فلا بد من مؤسساتٍ قادرة على إنفاذه. وهنا يبرز الدور المحوري للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، التي تُنشأ وفق مبادئ باريس لتكون مستقلةً في عملها، ومخوّلةً بالرصد والتحقيق والتثقيف وتقديم التوصيات. وقد أثبتت التجارب أن وجود مؤسسةٍ وطنية فعالة يمكن أن يشكل الفارق بين حقوقٍ على الورق وحقوقٍ يلمسها الناس .

غير أن المؤسسات وحدها لا تصنع حقوقاً. فالتحدي الأكبر في الدول النامية هو ضعف القدرات: نقص الموارد المالية، وقلة الكوادر المدربة، وضعف التنسيق بين الجهات. ولهذا فإن بناء القدرات ليس ترفاً إدارياً، بل شرطٌ لبقاء أي إصلاح. ويشمل ذلك تدريب القضاة والمحامين والشرطة وموظفي الدولة على مفاهيم حقوق الإنسان، وتزويدهم بالأدوات والمهارات اللازمة لتطبيقها، وضمان أن تكون إجراءات العدالة بسيطة وميسورة وباللغة التي يفهمها الناس. فحين لا يستطيع الفقير أن يقرأ القانون بلغةٍ رسمية لا يتحدثها، أو لا يجد من يمثله أمام المحكمة، فإن حقه في العدالة يبقى نظريا .

 

لهذا يجب تمكين المجتمع المدني. فلا يمكن لحقوق الإنسان أن تُبنى من أعلى فقط. فمنظمات المجتمع المدني هي التي تصل إلى القرى النائية، وتثقف النساء بحقوقهن، وتوثق الانتهاكات، وتدافع عن الضحايا. وقد أثبتت التجارب في بنغلاديش والفلبين وأماكن أخرى أن حركةً مدنية قوية قادرة على تحويل حقوق الإنسان من خطاب نخبوي إلى مطلبٍ شعبي. ولهذا فإن دعم هذه المنظمات، وحماية نشطائها، وضمان حرية تكوينها، ليس ترفاً ديمقراطياً، بل استثمار في البنية التحتية الأخلاقية للمجتمع

ولا ننسى التثقيف الحقوقي. فالناس لا يطالبون بحقوق لا يعرفونها. ولهذا فإن ترجمة صكوك حقوق الإنسان إلى اللغات المحلية ، وإدماجها في المناهج المدرسية، واستخدام الإعلام والمسرح والفنون لنشر ثقافة الحقوق، كلها أدوات ضرورية لتحويل الحقوق إلى وعيٍ جماعي. فحين يعرف الطفل في المدرسة أن له حقاً في التعبير، وحين تعرف المرأة في القرية أن لها حقاً في الميراث، تتغير المعادلة من الجذور. والمجتمع الذي يعرف حقوقه هو مجتمعٌ أقل عرضةٍ للاستغلال، وأكثر قدرةً على محاسبة من ينتهكها .

وايضا ربط حقوق الإنسان بالتنمية. ففي الدول النامية، لا يمكن الحديث عن الحقوق بمعزل عن الفقر. وحقوق الإنسان لا تُبنى في مجتمعٍ يعاني فيه الناس من الجوع والمرض والجهل. ولهذا فإن النهج القائم على الحقوق في التنمية يعني أن تُصمم برامج الصحة والتعليم والغذاء والسكن بما يضمن الكرامة والمساواة وعدم التمييز، وأن تُعطى الأولوية للفئات الأكثر تهميشاً: النساء، والأطفال، وذوو الإعاقة، وسكان المناطق النائية. وقد أدركت كثير من الدول النامية أن حقوق الإنسان ليست نتاج التنمية فحسب، بل شرطٌ لها، لأن المجتمعات التي تُحترم فيها الحقوق هي المجتمعات الأقدر على النمو والاستقرار .

ودور التعاون الدولي مهم جدا ، لكن ليس التعاون الذي يفرض الشروط، بل الذي يبني القدرات. فالمساعدة التقنية وتبادل الخبرات ودعم الصناديق الدولية يمكن أن تكون رافعةً حقيقية، بشرط أن تكون ملكية الإصلاح وطنية، وأن يشارك المجتمع المدني في تصميمه ومراقبته. وقد أظهرت تجارب عديدة أن المشاريع التي فُرضت من الخارج دون توافقٍ محلي انتهت إلى الفشل، بينما نجحت تلك التي بُنيت على حوارٍ وطني وجعلت من حقوق الإنسان إطاراً للتنمية، لا شرطاً مفروضا .

ان بناء حقوق الإنسان في الدول النامية ليس مشروعاً سحرياً له وصفة واحدة. إنه عملية طويلة، غير خطية ، تتراوح بين التقدم والانتكاس، وتتطلب صبراً وإرادة سياسية ومشاركة مجتمعية. لكنها ليست مستحيلة. فالتجارب من غينيا بيساو إلى نيبال، ومن سيراليون إلى إندونيسيا، تُظهر أن الدول النامية قادرة على بناء أنظمةٍ لحماية الحقوق حين تتوفر الإرادة والقيادة والمشاركة. والتحدي الحقيقي ليس في نقص الموارد، بل في نقص الإرادة. فحين تقرر دولةٌ نامية أن كرامة مواطنيها ليست ترفاً، فإنها تجد الطريق، حتى لو كان وعراً. وحينها فقط، تتحول حقوق الإنسان من كلمةٍ في دستور، إلى حياةٍ يعيشها الناس .

 

قد يعجبك ايضا
∧