من رئيس حزب الى محافظ..الى اين يقودون السليمانية؟

انس الشيخ مظهر

رئيس مقابل رئيس، ووزير مقابل وزير.. بهذه الجملة اختصر بافل طالباني مشروعه في رسالته المصورة قبل يومين، فكشف من حيث لا يقصد أن ما يسميه مشروعاً ليس سوى ردّ فعل غاضب يُدار بالمقاصة بين الكراسي، لا برؤية ولا بدستور ولا بجواب عن سؤال واحد يهم أهل السليمانية. فهو يقول لأربيل إذا نصبتم رئيساً سننصب رئيساً، وإذا نصبتم وزيراً سننصب وزيراً، وكأن الرئاسة والوزارة قطع شطرنج تُحرَّك كلما غضب أحد من أحد، وكأن المنصب يكتسب شرعيته من أن خصمك سبقك إلى مثله. لكن الرئيس الذي يُنصَّب ردّاً على رئيس آخر لا يملك من أين تأتيه الشرعية، فلا ناخب اختاره ولا برلمان صوّت له ولا بغداد ستعترف به، وكل ما يملكه قرار صدر من اجتماع حزبي وختم وُضع على ورقة. والوزير الذي يُنصَّب بهذه الطريقة لن يجد وزارة تسلّمه ملفاً ولا موظفاً ينفّذ أمره ولا ميزانية تُصرف باسمه، فهو وزير على الورق، يجلس في مكتب ويوقّع على أوراق لا يعترف بها أحد. ومن يعد الناس بحكومة مقابل حكومة، ثم يحدثهم عن الخروج من الإقليم، ثم عن إقليم جديد، من دون أن يقول لهم من أين تبدأ الشرعية وأين تنتهي، فهو يبيعهم لافتات ويسمّيها دولة، وأهل السليمانية الذين ينتظرون رواتبهم منذ شهور لا يحتاجون إلى لافتة جديدة، بل إلى من يخبرهم بصدق إلى أين يأخذهم.

فالخروج من الإقليم شيء، وقيام إقليم جديد شيء آخر تماماً، والمسافة بينهما ليست تفصيلاً قانونياً يُترك للمحامين، بل هي الفرق بين رئاسة كيان وإدارة محافظة. والدستور العراقي لا يوزّع الأقاليم على من يغضب من شركائه، فإقليم جديد يحتاج إلى طلب رسمي واستفتاء ومؤسسات تُبنى من الصفر، وهذا كله لا يتحقق ببيان يُقرأ في مهرجان ولا بتفاهم يُعقد في غرفة مغلقة. أما ما سيحدث على الأرجح لمحافظة تغادر إقليمها قبل أن تستكمل هذا المسار، فهو أن تجد نفسها محافظة عادية مرتبطة ببغداد، بصلاحيات المحافظات التي يعرفها العراقيون جيداً، وبمحافظ يديرها لا برئيس يحكمها.

ولننظر إلى هذه الصورة بشكل عملي… رجل يقود حزباً شريكاً في سلطة إقليمية، له وزراء ونفوذ ومقعد على طاولة القرار في أربيل، يقرر أن يخرج من كل ذلك ليحصل في أحسن الأحوال على كرسي محافظ، يفتتح فيه مشاريع الأرصفة، ويوقّع على كتب الدوائر، ويقف في طابور بغداد ينتظر الموازنة والموافقات مثل أي محافظ آخر في أي محافظة عراقية. فمن كان يتحدث بالأمس عن حقوق الإقليم وصلاحياته وشراكته في القرار، سيجد نفسه غداً يطلب من موظف اتحادي أن يوقّع على مشروع مدرسة، وهذه ليست نتيجة يتمناها خصومه له، بل هي المنطق الدستوري لما يلوّح به، وعلى من يرفع هذا الشعار أن يقول لجمهوره بصراحة إنه قد يعود إليه بلقب أصغر من اللقب الذي خرج به.

والأنكى من ذلك أن بغداد ليست جهة تنتظر بفارغ الصبر أن تتسلم الأقاليم الجديدة، فتجربة محاولات انشاء إقليم البصرة تقول العكس، إذ لم تفتح القوى الاتحادية ذراعيها لأي مشروع من هذا النوع، بل وضعت أمامه العراقيل السياسية والإدارية واحدة بعد أخرى حتى جُمّد. وهذه القوى نفسها تتعامل مع كل إقليم باعتباره نقصاً في سلطة المركز، ولا يوجد ما يدعو إلى الظن بأنها ستسهّل ولادة إقليم ثانٍ في كوردستان لأن الاتحاد الوطني غاضب من الحزب الديمقراطي، فهي تفضّل محافظة ضعيفة تحتاج إلى بغداد في كل شيء على إقليم قوي يفاوضها من موقع الند، وسيكون من السذاجة أن يظن أحد أنها ستمنح السليمانية الأفضل لمجرد أن حزباً فيها قرر أن يطرق بابها.

وفي المقابل لا تُحسم قضية بهذا الحجم بتفاهم بين حزب وبغداد، فالسليمانية ليست إقطاعية حزبية، ففيها حركة التغيير وحركة الموقف الوطني والاتحاد الإسلامي وقوى أخرى لها ناخبون ومقاعد وحسابات، ولا يحق لأحد أن يعدّ صمتها موافقة أو أن يتحدث باسمها وكأنها ملحقة بمكتب سياسي. ومن يحتج على احتكار القرار في أربيل ثم يريد أن يحتكر القرار في السليمانية يقدّم أسوأ دليل على أن مشكلته ليست مع المركزية بل مع المكان الذي تقع فيه.

اما بالنسبة للرواتب فهي حق للموظفين الذين انتظروها أشهراً، وليست ورقة تُحمل إلى طاولة التفاوض لتحسين موقع حزب، ولا يصح أن يتحول الجوع إلى أداة سياسية في يد من يعدون الناس بالخلاص. أما ترتيب دفعها مباشرة من بغداد، إن حصل، فلا يعني أن السليمانية خرجت من الإقليم، ولا أن الخروج صار إقليماً، ولا أن الإقليم صار رئاسة، وهذه حلقات يريد أصحاب المشروع أن يقفزوا فوقها جميعاً بجملة واحدة في خطاب.

إن الخلاف على تقاسم النفوذ في أربيل حقيقي، ومن حق الاتحاد الوطني أن يعترض ويفاوض ويضغط، لكنه لا يملك أن يحوّل هذا الخلاف إلى مغامرة تعيد رسم خريطة كوردستان على حساب أهل السليمانية، ثم يطلب منهم أن يصفقوا. وعلى بافل طالباني أن يقول لهم بوضوح ما الذي يعرضه عليهم… إقليماً يحتاج إلى استفتاء ودستور ومعركة طويلة مع بغداد، أم محافظة تُدار من هناك. وإلى أن يقول ذلك، سيبقى كل ما يُطرح شعاراً بلا خريطة، ومشروعاً لا يعرف أحد أين ينتهي، سوى أن أقرب نهاياته المحتملة هي مكتب محافظ.

قد يعجبك ايضا
∧