✍️ محمد مراد فتاح
كانت ليلة متأخرة من المساء، وكان هناك أخوان يستعدان لتجهيز الحبوب ووضعها في البيدر. كان بيدر أحدهما يقع خارج القرية، على جانب الطريق، ولم يكن قد جمع محصوله بعد.
وفي أحد أزقة القرية، نشب خلاف بين عدد من الناس، واشتد الغضب بينهم، حتى وصل الأمر إلى تبادل الشتائم والتهديدات. وكان من بين المتخاصمين رجل لا يملك بيدرًا، فغضب من صاحب البيدر وهدده قائلًا: «إذا لم تحل هذه المشكلة، فسأشعل النار في بيدرك هذه الليلة».
تدخل الجيران وأهل القرية لفضّ النزاع، ثم عاد كل واحد منهم إلى منزله.
أما الرجل الذي هدّد بإحراق البيدر، فقد قال في نفسه: «ماذا فعلت؟ صدقًا، لقد أوقعت نفسي في ورطة! من الذي سيحرق البيدر؟ أنا الذي سأتحمل المسؤولية!».
ثم قال لابنيه: «انهضا، لنذهب إلى بيدر فلان ونحرسه هذه الليلة؛ فإذا لم نذهب، فقد يأتي أحد ويحرقه».
وهكذا ذهب الرجل مع ابنيه، وأخذوا يحرسون البيدر حتى طلوع الفجر. وعندما شاهدوا عشرات الشرارات والنيران الصغيرة تخرج من بين أكوام الحبوب، سارعوا إلى إطفائها، حتى لا تلتهم النار البيدر بأكمله.
وفي الصباح، ذهب الرجل إلى صاحب البيدر وقال له: «الحمد لله، لقد نجوت ببيدرك، وسآتي لمساعدتك أيضًا في العمل».
فسأله صاحب البيدر مستغربًا: «خيرًا، ماذا حدث؟».
فأجابه: «لا شيء، اطمئن، الأمر بفضل الله».
فقال له صاحب البيدر: «ألم تقل إنك ستشعل النار في بيدري الليلة الماضية؟».
فأجابه: «بلى، لكنك تعال وانظر؛ لقد قضيت أنا وابناي الليل نحرس بيدرك، حتى الفجر، وأطفأنا عشرات الشرارات التي كادت أن تحرق محصولك».
وهكذا، أدرك صاحب البيدر حقيقة ما حدث، فذهبا معًا، وأعادا ترتيب البيدر وجمعا الحبوب.
أما اليوم، فهناك مئات الشرارات التي تُشعلها وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، من داخل البلاد وخارجها، ومن بعض الدول المجاورة، لتصل نيرانها إلى إقليم كوردستان، وتزرع الفتن والخلافات بين أبنائه، حتى باتت هذه النار تهدد بإحراق البيت الذي يجمعنا جميعًا.
إن الفرق بين قصة الأمس وواقع اليوم أن الرجل في القصة، رغم تهديده، سهر مع ابنيه لإطفاء النار وحماية بيدر جاره، بينما نرى اليوم من يشعل الحرائق بالكلمات والمنشورات، ثم يقف متفرجًا على اشتعالها.
فهل نتعلم من تلك الحكاية الشعبية أن نحمي بيتنا المشترك، أم نترك النيران تلتهمه ونحن منشغلون بتبادل الاتهامات؟