محمد عبد الرزاق
في التاسع من تشرين الثاني عام 1959 صدرت من الصالحية اول نشرة اخبارية مطبوعة تحمل اسم وكالة الانباء العراقية ( واع ) لم يكن هناك مبنى مهيب ولا لافتة عريضة كانت البداية مكتب ارتباط صغيرا داخل الاذاعة ، ومن ذلك المكتب بدات واع تكتب المسودة الاولى للتاريخ العراقي وبعد سبعة وستين عاما لم تعد القصة قصة جهة تحتفل بعمرها وانما قصة بلد يسال نفسه من يكتب لي ما يحدث وهل اثق به ،
للوكالة سر لا يعرفه كثيرون من مكتب ارتباط صغير صارت الجهة الوحيدة التي ينقل عنها الجميع ولا يتوقف عندها احد فالخبر الذي تقراه في صحيفة او تسمعه في اذاعة او تراه على شاشة قد يكون مر من عندها اولا تعمل خلف الستارة كمحرك الساعة لا يراه من ينظر الى العقارب لكنه الذي يجعلها صادقة ،
سبعة وستون عاما تكفي لتبديل الاجيال والادوات واللغة من الورق الى الشاشة ومن الشاشة الى هاتف في الجيب فقد تغيرت الوسيلة وبقي السوال واحدا من يملك الخبر الاول ومن يملك الخبر الصحيح وبين الاثنين تقع المسافة التي تصنع الفرق بين وكالة وبين صفحة عابرة ،
وما الذي يجعل الخبر خبر وكالة ؟ ليس التفخيم ولا المبالغة ولا التهويل فالخبر الجيد لا يحتاج الى تعظيم ولا تمجيد ولا تاريخي يقول من وماذا واين ومتى ويترك لمن يقرا ان يحكم جملة قصيرة ورقم دقيق ومصدر واضح هذه الصرامة الهادية هي الاسلوب الذي يصنع ثقة تبقى بعد ان تتبدل العناوين والخبر الصغير فاليوم وثيقة الغد
سعر او قرار او افتتاح جسر وبهذه التفاصيل التي يهملها الكبار يكتب اهل التاريخ كتبهم ،
واليوم يتساوى الخبر الصحيح والخبر المفبرك في سرعة الوصول ويسبقه الثاني في اغلب الاحيان لانه لا يتحمل ثقل التحقق غير ان من يسبق الى النشر لا يسبق بالضرورة الى الحقيقة. وهنا يتحدد معنى الوكالة في العصر الرقمي فهي ليست سباقا الى الثانية الاولى وانما سباق الى الجملة التي لا تحتاج الى تكذيب بعد ساعة ،
وللصحفي في الوكالة موقع غير مريح ومشرف في وقت واحد ان يكون اخر من يتحمس واول من يتحقق ففي مهنته يسقط الحماس اذا انتصر على الدقة وتنجح الدقة اذا بقيت حاضرة حين يغيب التصفيق ،
فان اثمن ما تملكه اي وكالة ليس ارشيفها ولا مبناها وانما ثقة جمهورها والثقة لا تورث ولا تعلن في بيان تبنى خبرا خبرا وتهدم خبرا واحدا لذلك فان الاحتفال الحقيقي بالمناسبة ليس رفع الاعلام ولا ترديد الكلمات وانما ان تسال الوكالة نفسها كل صباح هل ما ساكتبه اليوم يستحق ان يصدق غدا ،
كل عام و وكالة انباء العراق بخير والعراقيون بخير وليبق شعارها الخفي الذي يعلق في ذاكرة الناس قبل ان يعلق على الجدران .. اخبرونا بما حدث لا بما نتمنى ان يكون قد حدث .