مظفر العقابي
القاهرة
لم يكن الأمر مجرد خبر رياضي عابر، ولا قرارين منفصلين في روزنامة كرة القدم؛ كان أشبه بإسدال الستار على حكاية امتدت لأكثر من عقدين، عاشها جيل كامل بشغف لا يشبهه شيء. ففي الحادي والثلاثين من أغسطس 2026، أعلن ليونيل ميسي نهاية رحلته الدولية مع الأرجنتين، وبعد شهرين تقريباً، في الخامس من نوفمبر، أعلن كريستيانو رونالدو قراره بإنهاء مسيرته مع البرتغال. هكذا، تقاربت لحظتا الوداع، فبدتا كأنهما فصل أخير لزمن كروي استثنائي.
كيف يمكن لجيل اعتاد أن يرى ميسي بقميص الأرجنتين، ورونالدو بشعار البرتغال، أن يتخيل المباريات المقبلة من دونهما؟ كيف ستبدو كوبا أميركا بلا سحر ليونيل، واليورو بلا شغف كريستيانو؟ لقد ارتبطت مواعيد البطولات الكبرى في ذاكرتنا بانتظار لحظة منهما؛ مراوغة تشعل المدرجات، هدف يقلب الموازين، أو دمعة تختصر حكاية وطن بأكمله.
كنا نحلم بمشهد يجمعهما في نهائي كأس العالم، مواجهة تليق برجلين تقاسما عرش اللعبة، واختلفا في الطريق، لكنهما اتفقا على صناعة المجد. لم يكونا مجرد هدافين يتنافسان على الأرقام، بل كانا مدرستين في الإصرار والطموح؛ ميسي الذي جعل الكرة تبدو امتداداً لروحه، ورونالدو الذي حوّل الانضباط والعمل الشاق إلى أسطورة لا تهدأ.
على امتداد سنواتهما الدولية، تراكمت الأهداف والأرقام والألقاب، وارتفعت رايتا الأرجنتين والبرتغال في ليالٍ ستبقى محفورة في ذاكرة الملايين. حمل ميسي بلاده إلى المجد العالمي، ومنح رونالدو البرتغال أول لقب أوروبي كبير، وترك كل منهما إرثاً يتجاوز المستطيل الأخضر. أما الأرقام، مهما بلغت، فلن تشرح وحدها حجم ما منحاه لعشاق اللعبة من فرح ودهشة وحنين.
اليوم، لا نودع لاعبين فحسب؛ نودع عادة جميلة رافقت أعمارنا، وموعداً كنا ننتظره كلما اقتربت بطولة كبرى. ستلعب الأرجنتين والبرتغال من دون اسميهما في قوائم المنتخبين، لكنهما لن تغيب صورتهما عن الذاكرة. ستأتي أجيال جديدة، وستولد نجوم أخرى، غير أن حكاية ميسي ورونالدو ستظل استثناءً يصعب تكراره.
يا لها من نهاية موجعة لحقبة عظيمة؛ حقبة جعلتنا نحب كرة القدم أكثر، ونختلف حول الأفضل، ثم نتفق على أننا كنا محظوظين لأننا عشنا زمنهما. فبعض الأساطير لا تنتهي صافرتها الأخيرة، بل تتحول إلى ذاكرة تتوارثها القلوب جيلاً بعد جيل لزمن طويل.