متابعة ـ التآخي
قبل نحو عقدين، حذر تقرير اقتصادي بارز من أن تكلفة عدم التحرك لمواجهة تغير المناخ ستفوق بكثير تكلفة الاستثمار في خفض الانبعاثات، مؤكدا أن التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون لا يتعارض مع النمو الاقتصادي، بل يمثل ضرورة لحماية الاقتصادات والأجيال القادمة.
وبعد مرور 20 عاما على صدور تقرير «اقتصاديات تغير المناخ»، المعروف باسم «مراجعة ستيرن»، عادت هذه النتائج إلى الواجهة مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتزايد الأضرار المناخية، وسط انتقادات للنماذج الاقتصادية التقليدية التي ما تزال تقلل من حجم الخسائر المحتملة، ولا تعطي القيمة الكافية للموارد الطبيعية واستقرار المناخ.
وفي مقال بصحيفة «الجارديان» البريطانية، تناولت الكاتبة فيونا هارفي، أهمية التقرير الذي أعده نيكولاس ستيرن، كبير الاقتصاديين السابق في البنك الدولي والمستشار الاقتصادي للحكومة البريطانية آنذاك، عادة أن أفكاره أحدثت تحولا في فهم العلاقة بين الاقتصاد وأزمة المناخ، بعدما قدمت مبررات اقتصادية واضحة للاستثمار في مستقبل منخفض الانبعاثات.
صدر تقرير ستيرن في نحو 700 صفحة مدعومة بالرسوم البيانية والبيانات، واستعمل أدوات وأساليب التحليل الاقتصادي التقليدية لطرح ثلاثة استنتاجات رئيسة كانت مثار جدل وقتها.أولها أن تكلفة التقاعس عن مواجهة تغير المناخ تفوق تكلفة اتخاذ إجراءات للحد من آثاره، وثانيها أن الأزمة المناخية تمثل إخفاقا في آليات السوق، وثالثها أن تحقيق النمو الاقتصادي يمكن أن يتزامن مع خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
واستندت الفكرة المحورية في التقرير إلى أن الأجيال المقبلة تستحق الحماية والاهتمام نفسيهما اللذين تحظى بهما الأجيال الحالية، وهو ما دفع ستيرن إلى التشكيك في استغلال ما يعرف بمعدل الخصم الاقتصادي عند تقويم الأضرار المناخية المستقبلية. ويستعمل معدل الخصم في التحليل الاقتصادي لتقدير القيمة الحالية للأرباح والخسائر التي يُتوقع حدوثها في المستقبل، بحيث تُمنح التدفقات المالية المستقبلية قيمة أقل مقارنة بالقيمة الحالية.
لكن تطبيق هذا المنطق على الأضرار المناخية، وفق رؤية ستيرن، قد يؤدي إلى التقليل من قيمة الخسائر التي ستتحملها الأجيال القادمة، ويجعل الاستثمارات الحالية اللازمة لحماية حياتهم ومواردهم تبدو أقل جدوى اقتصاديا مما هي عليه في الواقع.
لإظهار مدى اختلاف أفكار ستيرن عن الاتجاه الاقتصادي السائد وقتها، استعرضت هارفي أعمال الاقتصادي الأمريكي ويليام نوردهاوس، أستاذ الاقتصاد السابق بجامعة ييل والحائز جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2018.
ففي أوائل التسعينات، رأى نوردهاوس، أن على الدول الاستعداد لاحترار عالمي معتدل يتراوح بين 3 و4 درجات مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، معتبرا أن تكلفة خفض الانبعاثات قد تفوق الأضرار المناخية عند مستويات الاحترار الأقل من ذلك.
واعتمدت هذه التقديرات على منهج الخصم الاقتصادي للأضرار المستقبلية، وهو المنهج الذي اعترض عليه ستيرن، عادا أن تطبيقه على تغير المناخ يقلل من أهمية الخسائر التي ستتعرض لها الأجيال المقبلة.
وأشارت الكاتبة إلى أن التقرير واجه انتقادات حادة من اقتصاديين تقليديين، من بينهم نوردهاوس، بسبب التشكيك في معدل الخصم، الذي يمثل أحد الأسس المستخدمة في التوقعات المالية والاقتصادية للحكومات.
لكن مراجعة ستيرن ظلت مؤثرة في السياسات المناخية خلال العقدين التاليين، إذ وفرت للحكومات أساسا اقتصاديا لتبرير استراتيجيات خفض الانبعاثات أمام المستثمرين والجهات المانحة وأسواق السندات، كما أتاحت للناخبين والجهات القانونية مساحة أكبر لمساءلة الحكومات التي تتأخر في اتخاذ إجراءات مناخية.
وترى هارفي أن التقديرات الواردة في التقرير كانت، في بعض جوانبها، أقل من حجم المخاطر التي ظهرت لاحقا؛ إذ لم يتوقع بالقدر الكافي سرعة ارتفاع درجات الحرارة والتداعيات الاقتصادية المترتبة عليها، كما بالغ في تقدير تكلفة الطاقة المتجددة مقارنة بما تحقق لاحقا من انخفاض في تكاليفها.
وفي عام 2018، حصل نوردهاوس على جائزة نوبل في الاقتصاد، وكان عمله المتعلق بالمناخ حاضرا في حيثيات الجائزة ومحاضرته المصاحبة لها. وتقول الكاتبة إن نماذج النمو الاقتصادي التقليدية التي استخدمها لا تزال تُدرّس في جامعات عديدة حول العالم، كما تستمر بعض الحكومات والشركات والمؤسسات الدولية في الاستناد إلى تقديرات تقلل من الخسائر الاقتصادية المحتملة لتغير المناخ.
وتأتي هذه التقديرات في وقت تتوالى فيه الأرقام القياسية لدرجات الحرارة، وتتزايد المخاوف من ظاهرة «إل نينيو» شديدة القوة وما قد تسببه من أضرار اقتصادية واسعة. وفي تقويمه الحالي للتقرير، يقول ستيرن إنه كان سيمنح الطبيعة دورا أكبر لو أعاد إعداد المراجعة اليوم، في ظل التراجع المتسارع للتنوع البيولوجي على مستوى العالم.
ويرى أن فقدان التنوع البيولوجي يمثل تهديدا اقتصاديا وأمنيا وطنيا رئيسيا، لم يحصل على التقدير الكافي في السياسات والنماذج الاقتصادية، رغم ارتباط النظم الطبيعية باستدامة الموارد والخدمات التي تعتمد عليها الاقتصادات والمجتمعات.
وتشير هارفي إلى أن استمرار التقليل من المخاطر المناخية ينعكس على قرارات الحكومات والأسواق؛ إذ تتأخر بعض الحكومات في التحرك، وتحصل شركات الوقود الأحفوري على تقييمات سوقية لا تعكس بصورة كافية المخاطر المناخية المرتبطة بأنشطتها، بينما قد يتعرض المستثمرون والشركات التي تستعد للتحول إلى اقتصاد منخفض الكربون لضغوط مالية.
كما لفتت إلى ما كشفته صحيفة «الجارديان» مؤخرا بشأن اتهامات لشركات تأمين بالتلاعب في تقديراتها أو عرضها لمخاطر المناخ، بما قد يؤدي إلى التقليل من حجم التعرض الفعلي للخسائر المناخية.
واختتمت الكاتبة بالتأكيد أن بناء اقتصاد قادر على الازدهار يتطلب إعادة النظر في النماذج الاقتصادية السائدة، بحيث تعطي قيمة حقيقية للطبيعة واستقرار المناخ وصحة المجتمعات، معتبرة أن تقرير ستيرن قدم قبل 20 عاما أساسا لهذا التحول، لكن على الحكومات والمؤسسات الاقتصادية اللحاق بما طرحه.