سحر صلاح الخزاعي
بكل ما يحمله القلب من استياء، وبكثير من الأسى الذي يصعب اختزاله في كلمات، نقف اليوم أمام مشهد مؤلم يعكس حجم الخلل الذي أصاب معايير التقدير والاحترام في مجتمع كان يُفترض أن يكون العلم وأهله في مقدمة أولوياته.
إن ما نشعر به تجاه عدم إنصاف وتقدير قامة علمية رفيعة المستوى، بحجم البروفيسور سلمان الرواف، ليس مجرد استياء من موقف عابر، بل هو حزن على قيمة العلم حين لا تجد مكانتها التي تستحقها، وعلى العلماء حين يصبح حضورهم أقل بريقاً من حضور مشاهير صنعتهم منصات التواصل الاجتماعي، ومنحتهم شهرة لا تتناسب بالضرورة مع ما يقدمونه من فكر أو معرفة أو أثر حقيقي.
ليس اعتراضنا على الفن، ولا على الفنانين، ولا على حق أي إنسان في الشهرة أو الظهور، فلكل إنسان مجاله، ولكل مهنة احترامها. لكن الاعتراض الحقيقي يبدأ عندما تختل الموازين، وعندما تتساوى القامات العلمية والفكرية مع الشهرة العابرة، أو تتراجع مكانة أصحاب الإنجازات والمعرفة أمام شخصيات لا يتجاوز حضور بعضها الاستعراض والمظاهر والاهتمام بالمفاتن المصنّعة في عيادات التجميل ومراكز التزيين وصالونات المظهر الخارجي.
فهل يعقل أن يصبح الاستعراض معياراً للنجومية، بينما يصبح العلم والمعرفة والثقافة أموراً هامشية لا تستحق الالتفات؟ وهل وصل بنا الحال إلى أن نمنح منابرنا واهتمامنا لمن لا يملكون سوى ضجيج الحضور، بينما لا نمنح علماءنا ما يستحقونه من احترام واحتفاء؟
إن القضية هنا أكبر من شخص أو مناسبة، وأعمق من مجرد مقارنة بين شخصية وأخرى. إنها انعكاس لخلل ثقافي واجتماعي في ترتيب الأولويات، ولتراجع قيمة الرموز العلمية والفكرية في الوعي العام.
العراق، الذي أنجب العلماء والفلاسفة والمفكرين، والذي امتدت جذوره الحضارية إلى آلاف السنين، لا يليق بتاريخه أن يصبح فيه أصحاب الفكر في الصفوف الخلفية، بينما يتصدر المشهد من صنعتهم خوارزميات المشاهدات وعدّادات الإعجاب والشهرة المؤقتة.
لسنا ضد أن يحتفي المجتمع بالفن والجمال والترفيه، لكننا ضد أن يصبح الترفيه بديلاً عن المعرفة، وأن تتحول الشهرة إلى شهادة تفوق، وأن يُقاس قدر الإنسان بعدد متابعيه لا بما قدمه للإنسانية من علم وفكر وإنجاز.
إن البروفيسور سلمان الرواف، وأمثاله من القامات العلمية، لا يحتاجون إلى شهرة عابرة كي تثبت قيمتهم، ولا إلى منصات التواصل كي تمنحهم مكانتهم؛ فقيمة العالم لا تصنعها الكاميرات، ولا تحددها أعداد المتابعين، بل تصنعها سنوات العلم والعطاء والبحث والإنجاز.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا جميعاً هو: ماذا عن مجتمع لا يعرف كيف يحتفي بعلمائه؟ وماذا عن وطن يصبح فيه الوصول إلى واجهة المشهد أسهل بالاستعراض منه بالمعرفة، وأسهل بإثارة الانتباه منه بصناعة الفكر؟
إن الأمم لا تفقد مكانتها حين يقل عدد مشاهيرها، بل حين تفقد احترامها لعقولها. ولا تتراجع الحضارات حين يغيب عنها الاستعراض، بل حين يغيب عنها تقدير العلماء.
ما يؤلمنا ليس أن يتصدر المشهد أصحاب الشهرة العابرة، بل أن يغيب عنه أصحاب القيمة الحقيقية. وما يحزننا ليس أن يُكرَّم الفن، بل أن يُهمَّش العلم.
فالعراق أكبر من أن تختصر صورته في مشاهير المنصات، وأعرق من أن تُقاس حضارته بمقاييس الترند، وأعظم من أن يُترك علماؤه على هامش مشهد لا يتسع إلا لمن يجيد لفت الأنظار.
احتراماً للبروفيسور سلمان الرواف، واحتراماً لكل عقل عراقي حمل رسالة العلم والمعرفة، نقولها بوضوح: حين لا يكون للعلماء مكانهم المستحق في واجهة المجتمع، فالمشكلة ليست في العلماء، بل في مجتمع اختلّت لديه بوصلة التقدير.