ضعف المشاركة الجماهيرية في الفعاليات الثقافية.. نحو موت بطيء للحراك الأدبي ؛

زنون سلێڤاني ؛ زاخو

تُعد الثقافة النابض الحقيقي لروح أي مجتمع، والأدب بمرآته الصافية هو التعبير الأعمق عن هويته وتاريخه وآماله. غير أن المشهد الثقافي المعاصر في مجتمعاتنا يشهد ظاهرة مقلقة تتمثل في تراجع ملحوظ في نسبة حضور ومشاركة الجمهور في الفعاليات والأمسيات الأدبية والفنية. هذا العزوف الجماهيري ليس مجرد تفصيل عابر، بل ناقوس خطر ينذر بـ “موت بطيء” للحراك الأدبي، ويطرح تساؤلات جدية حول أسباب الهوة المتسعة بين المبدع والمتلقي.
إن التفاعل الحي هو الأكسجين الذي تتنفسه القصيدة، والرواية، والندوة الفكرية. فعندما يقف الشاعر أو الكاتب على المنصة ليلقي خلاصة تجربته وتأملاته أمام مقاعد شبه فارغة، فإن ذلك لا يكسر مجرد مجذاف الكاتب فحسب، بل يوهن طاقة الإبداع نفسها ويحول الثقافة إلى جزر صامتة معزولة عن محيطها الاجتماعي. هذا الانفصام يفرغ الفعاليات من جوهرها الحقيقي القائم على الحوار المتبادل وتبادل الأفكار.
وتتعدد أسباب هذا الركود وتتداخل؛ فمن جهة، تلعب التحولات التكنولوجية المتسارعة وطغيان وسائل التواصل الاجتماعي وسرعة إيقاع الحياة اليومية دوراً كبيراً في تشتيت الانتباه وصناعة جيل يميل إلى الاستهلاك السريع والسطحي للمحتوى، مبتعداً عن التأمل والعمق الذي يطلبه الكتاب والأدب. ومن جهة أخرى، قد تساهم بعض المؤسسات الثقافية في تكريس هذا الابتعاد من خلال تقديم أنشطة نمطية تفتقر إلى الابتكار وتفشل في مخاطبة اهتمامات الشباب والهموم المعاصرة للمجتمع، مما يجعل الفعاليات شأناً نخبوياً مغلقاً على فئة محدودة.
إن مواجهة هذا التراجع لا تكمن في رثاء الحال أو إلقاء اللوم على الجمهور وحده، بل تتطلب استراتيجية واعية وشاملة. تبدأ هذه الاستراتيجية من تحديث آليات الخطاب الثقافي، والخروج بالفعاليات من قاعات النخبة المغلقة إلى الفضاءات العامة والجامعات والمراكز الشبابية. كما يجب دمج الفنون البصرية والموسيقية مع الأدب لجذب شرائح أوسع، فضلاً عن دور الإعلام الثقافي في تسليط الضوء على هذه الأنشطة بلغة قريبة ومحببة لجيل الشباب.
في الختام، إن الأدب والثقافة هما خط الدفاع الأول عن الهوية والوجدان الجمعي. وإذا تركنا الحراك الأدبي يذبل جراء الإهمال والعزوف، فإننا نفقد جزءاً أساسياً من ذاكرتنا الإنسانية. إن إعادة الروح إلى المشهد الثقافي تبدأ بوعي جماعي يدرك أن دعم الكاتب وحضور الندوة ومشاركة الفعالية، هي في جوهرها ممارسة وطنية وإنسانية لإبقاء شعلة الوعي متوهجة ومتقدة.

قد يعجبك ايضا
∧