قبل اسدال الستار على فصولها..على دول المنطقة فرض شروط ما بعد الحرب.

انس الشيخ مظهر

لا تُقاس نتائج الحرب على إيران بحجم الضربات الأمريكية، ولا بعدد المنشآت العسكرية والنووية التي تُدمَّر، وإنما بما تتركه من أثر في قدرة طهران على التأثير في معادلات المنطقة. فالتفوق العسكري، مهما بلغ، لا يصنع نصراً سياسياً بالضرورة. وتدمير القدرات العسكرية لدولة ما لا يعني إنهاء مشروعها الاستراتيجي، ولا نزع أدوات النفوذ التي جمعتها على مدى عقود.

من هنا يبرز السؤال الجوهري … كيف ستنتهي هذه الحرب؟ أتتوقف بعد ضربات واسعة تعلن واشنطن على إثرها النصر وتحقيق أهدافها، من دون اتفاق ملزم يغيّر سلوك طهران؟ أم تنتهي بتسوية تفرض قيوداً حقيقية على برنامجها النووي والصاروخي ودورها الإقليمي؟ وبالجواب عن هذين السؤالين تتحدد وضع المنطقة بعد الحرب.

فقوة إيران لا تقوم على برنامجها النووي وحده. إنها تقوم على جغرافيا واسعة، وموارد بشرية واقتصادية مكّنتها من تطوير قدراتها الاقتصادية والعسكرية، وعلى شبكة أذرع وتحالفات نسجتها بصبر طوال العقود الماضية. ولذلك فإن تدمير منشآتها النووية أو إضعاف ترسانتها العسكرية لا يفكك شبكة نفوذها، ولا ينهي قدرتها على التأثير في دول الإقليم.

وتقدّم تجربة الحرب العراقية الإيرانية دلالة مهمة. فقد خرجت إيران عام 1988 من حرب استنزاف طويلة ومدمّرة، ثم أعادت بناء مؤسساتها العسكرية وطورت أدوات ردعها في بضع سنوات ، وركزت بعد ذلك على نسج شبكة نفوذ إقليمية صارت ركناً أساسياً من قوتها السياسية والعسكرية. لا يعني ذلك أن الظروف متطابقة، ولا أن طهران قادرة على تكرار التجربة بالسهولة ذاتها. لكنه يؤكد أن النظام متى ما بقيت مؤسساته قائمة، فسيكون قادرا على استعادة قوته، مهما عظمت خسائره العسكرية.

وتبرز هنا معضلة لا تقل خطورة عن نتائج الضربات نفسها وهي قدرة الولايات المتحدة على منع إيران من إعادة بناء قوتها او حتى رغبتها في منعها من ذلك . فإذا انتهت الحرب بلا اتفاق ملزم، وشرعت طهران في ترميم قدراتها العسكرية والصاروخية، صار خوض حرب أخرى ضدها أقرب إلى المستحيل، ولا سيما بعد الصعوبات التي واجهتها واشنطن في مواجهتها الحالية. فالحرب خيار لا يسهل تكراره، وامتلاك القدرة العسكرية لا يعني القدرة على تحمّل التبعات السياسية والاقتصادية لحرب ثانية.

وثمة نقطة على دول المنطقة أن تدركها جيداً وهي انه قد تتعمّد واشنطن القضاء على القدرات النووية الإيرانية وإبقاء قدراتها العسكرية الأخرى، لتظل إيران «البعبع» الذي تبتز به أمريكا وإسرائيل دول المنطقة. فغاية هذه الحرب ليست إسقاط النظام الإيراني “وهو ما اكدته التصريحات الامريكية لاكثر من مرة” ، بل تجريده من القدرة على تهديد إسرائيل والمصالح الأمريكية. وهكذا فيمكن ان تلحق واشنطن أضراراً جسيمة بالبرنامج النووي الإيراني، دون أن تمنعها من إعادة بناء قدراتها التقليدية.

ولا شك أن بقاء النظام الإيراني بعد الحرب سيعزز ثقته بقدراته، ويستجلب تعاطف الشارع الإيراني معه، ويحشد خلفه الشارع الشيعي في دول المنطقة، الذي سيرى فيه قوة قادرة على الدفاع عنه وحماية مصالحه بدور إقليمي فاعل.

لذلك لا يكفي أن تدمّر الولايات المتحدة المنشآت الإيرانية أو تُضعف قدراتها النووية كي تطمئن دول المنطقة على مستقبلها. فالمعيار الحقيقي هو قدرتها على تغيير سلوك إيران، وتقليص نفوذها خارج حدودها، وضمان ألا تعود إلى بناء ما فقدته. وإذا انتهت الحرب بلا اتفاق ملزم، فقد تحقق واشنطن نصرا عسكرياً فيها، لكنها ستترك خلفها نمراً جريحاً ينتقم ممن حوله.

والسؤال الحاسم إذن ليس من يعلن النصر عند توقف القتال، بل ما الذي سيتغير بعده. فالحرب التي تدمّر القدرات دون أن تغيّر المعادلات السياسية ليست سوى جولة مؤجلة من الصراع. وحدها التسوية التي تعيد رسم حدود القوة الإيرانية ودورها الإقليمي تحوّل التفوق العسكري إلى نتيجة استراتيجية مستدامة.

وعلى دول المنطقة ألا تكتفي بدور المتفرج. فهي أول من سيدفع ثمن حرب تنتهي بلا حسم، وأول من سيتلقى ارتداداتها حين تعود طهران بعد سنوات أشد غضباً وأكثر خبرة. وإن تُرك لواشنطن أن تعلن نصراً شكلياً وتمضي، فستبقى الصواريخ الإيرانية وأذرعها مصوّبة نحو عواصم المنطقة، وسيبقى ابتزازها بهذا الخطر أداة جاهزة بيد أمريكا وإسرائيل.

ومن هنا فإن الواجب على هذه الدول أن تتحرك الآن، وبصوت واحد، للضغط على الإدارة الأمريكية كي لا تتوقف عند حدود الضربات، وأن تتفاهم معها على خاتمة واضحة لسيناريو الحرب تتضمن تنازل إيران عن قدراتها الباليستية، وتخليها عن أذرعها، لا في لبنان وغزة فحسب، بل في العراق واليمن أيضاً. أما أي خاتمة دون ذلك، فلن تكون نهاية الخطر، بل بدايته.

قد يعجبك ايضا
∧