أمريكا والدبلوماسية المدعومة بالقوة

جوامير مندلاوي

تُعرَّف الدبلوماسية المدعومة بالقوة بأنها استراتيجية في السياسة الخارجية تقوم على التلويح باستخدام القوة العسكرية، أو فرض حصار اقتصادي صارم، بهدف ممارسة الضغط على الطرف الآخر وإجباره على القبول بشروط معينة لتحقيق أهداف سياسية. وبعبارة أخرى، عندما تفشل الدبلوماسية في تحقيق أهدافها، تصبح القوة، بما فيها الخيار العسكري، أداةً مكملة للسياسة الخارجية.

في نيسان 2025، بدأت مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في العاصمة العُمانية مسقط، استمرت نحو 60 يوماً، بهدف التوصل إلى اتفاق نووي يرضي الطرفين. وعندما وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، في 23 حزيران 2025، شنّ سلاح الجو الإسرائيلي غارات جوية على أهداف داخل إيران، في ظل دعم أمريكي. وشملت الضربات رادارات ومنظومات دفاع جوي ومخازن للصواريخ، فضلاً عن عمليات اغتيال استهدفت عدداً من القادة والعلماء النوويين الإيرانيين.

وقبيل انتهاء الحرب، انضمت الولايات المتحدة إلى العمليات العسكرية، مستهدفة منشآت نووية في نطنز وأصفهان. وانتهت المواجهة، التي عُرفت بحرب الأيام الاثني عشر، بوساطة قطرية.

وهكذا، أعقبت تعثّر الدبلوماسية الأمريكية الإيرانية مواجهة عسكرية قادتها إسرائيل، بمشاركة أمريكية لاحقة. وهذا يمثل، بوضوح، أحد أبرز تطبيقات مفهوم الدبلوماسية المدعومة بالقوة.

وفي 28 شباط 2026، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً جوياً واسعاً على إيران، أسفر عن اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من القادة والعلماء النوويين، فضلاً عن استهداف منشآت عسكرية ونووية. وردّت إيران بقصف قواعد أمريكية في منطقة الخليج والأردن، كما حاولت استهداف قاعدة دييغو غارسيا البريطانية في المحيط الهندي، إلا أن محاولتها باءت بالفشل. وانتهت المواجهة من دون أن تتمكن الولايات المتحدة وإسرائيل من إسقاط النظام الإيراني.

وفي ظل إصرار واشنطن على تحقيق أهدافها، مقابل تمسك طهران بمواقفها، تظل احتمالات تجدد المواجهة العسكرية قائمة، من خلال جولة جديدة من الغارات الجوية، ما لم تنجح المفاوضات في التوصل إلى تسوية سياسية.

وتتلخص الأهداف الأمريكية في إلزام إيران بتسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى دولة ثالثة، يُحتمل أن تكون روسيا، مع السماح لها بمواصلة تخصيب اليورانيوم بنسب منخفضة داخل أراضيها، تحت إشراف ورقابة دوليين.

وفي حال رفضت إيران الاستجابة لهذه المطالب، فقد تستمر المواجهة العسكرية إلى حين التوصل إلى اتفاق يحقق الشروط الأمريكية. غير أن هذا الخيار قد يواجه عقبات سياسية داخل الولايات المتحدة، ولا سيما إذا خسر الحزب الجمهوري الانتخابات وسيطر الديمقراطيون على الكونغرس، الأمر الذي قد يؤدي إلى تقييد بعض صلاحيات الرئيس في إدارة السياسة الخارجية. ومع ذلك، يتمتع الرئيس الأمريكي بصلاحيات دستورية واسعة في المجالين العسكري والخارجي، تتيح له هامشاً كبيراً للتحرك، وإن كانت لا تمنحه سلطة مطلقة لتجاوز الكونغرس.

وتؤكد إيران أن برنامجها النووي مخصص للأغراض السلمية، في حين تشكك الولايات المتحدة وإسرائيل في هذه التصريحات، وتعتبران مستويات التخصيب التي وصلت إليها إيران، ولا سيما نسبة 60%، مؤشراً يثير مخاوفهما بشأن طبيعة البرنامج وأهدافه المستقبلية.

ولا أعتقد أن استراتيجية الدبلوماسية المدعومة بالقوة ستنجح في تغيير الموقف الإيراني بصورة حاسمة، ما لم تحدث تحولات سياسية داخلية جوهرية، قد تصل إلى تغيير النظام على يد الشعب الإيراني، مع احتمال وجود دعم خارجي، بما في ذلك الدعم الإسرائيلي.

ومن وجهة نظري، فإن أحد أبرز الدوافع التي شجعت إيران على تطوير برنامجها النووي هو شعورها بالتهديد من امتلاك إسرائيل ترسانة نووية. فمن الطبيعي أن يدفع اختلال ميزان القوى دولةً ما إلى السعي لامتلاك قدرات مماثلة لمواجهة خصمها. ولعل المثال الأوضح على ذلك هو ما حدث بين الهند وباكستان؛ فبعد امتلاك الهند السلاح النووي، سعت باكستان بدورها إلى تطوير برنامجها النووي وامتلاك القنبلة النووية، في إطار معادلة الردع المتبادل.

وإذا عدنا إلى عام 1991، نجد أن نظام صدام حسين لم يمتثل للقرارات الدولية المتعلقة بغزو الكويت، كما لم يتعاون بالشكل المطلوب مع المفتشين الدوليين بشأن الكشف عن منشآت وبرامج أسلحة الدمار الشامل. وعلى إثر ذلك، شنّ التحالف الدولي عملية «عاصفة الصحراء» لتحرير الكويت، ثم جاءت الحرب عام 2003 التي انتهت بإسقاط نظام صدام حسين.

قد يعجبك ايضا
∧