الاغتراب والازدراء السياسي: أسباب عزوف الشباب والمواطنين عن المشاركة السياسية ووسائل التغيير

 

إعداد ـ التآخي

يتناول هذا الموضوع إحدى أكبر الأزمات الديمقراطية والهيكلية التي تواجه المجتمعات المعاصرة؛ اذ تحول الشعور بالعجز لدى المواطنين والشباب من مجرد “سلبية” عابرة إلى حالة مرضية مركبة تعرف بـ “الاغتراب والازدراء السياسي”، فاين تكمن الجذور، والأسباب، والتداعيات المتعلقة بالظاهرة، ووسائل المعالجة والتغيير.

الاغتراب السياسي (Political Alienation)، شعور الفرد بالانشقاق والانفصال الشعوري والمعرفي عن النظام السياسي للمجتمع، وأن هذا النظام لا يمثله ولا يعبر عن تطلعاته. اما   الازدراء السياسي (Political Cynicism)، فيعني انعدام الثقة العميق والشك المستمر في دوافع المؤسسات والسياسيين، والنظر إلى العملية السياسية برمتها كـ “لعبة فاسدة” أو غير مجدية.

 ان عزوف الشباب والمواطنين يتركز في الامتناع العمدي عن المشاركة السياسية التقليدية كالانتخابات، والانضمام للأحزاب وتركها، وعدم متابعة الشأن العام، ليس بداعي الجهل، بل بداعي الإحباط وفقدان الأمل.

تتضافر عدة عوامل لبناء هذا الشعور المتراكم لدى الأفراد، ويمكن تقسيمها إلى مجموعة عوامل في طليعتها الجذور السياسية والمؤسسية، وذلك بانسداد أفق التداول السلمي للسلطة باحتكار النخب للقرار السياسي وغياب الممارسة الديمقراطية الحقيقية، يجعل ذلك الانتخابات إن وجدت، مجرد إجراء شكلي.

  ومن العوامل الأخرى ضعف الأحزاب والنقابات بغياب الأوعية السياسية الفعالة التي تستوعب الشباب وتدربهم على العمل العام، فتتحول الأحزاب إلى دكاكين انتخابية موسمية. وتتسع الفجوة بين الوعود والواقع، اذ ان كثرة الشعارات البراقة التي يطلقها السياسيون في الحملات الانتخابية من دون تحقق أدنى متطلبات الحياة الكريمة، تسقط مصداقية العمل السياسي.

ومن العوامل الأخرى لابتعاد الشباب وعموم السكان عن المشاركة السياسية الفاعلة، الجذور الاقتصادية والاجتماعية ويتمثل ذلك بالتهميش الاقتصادي وصعوبة تأمين العيش بارتفاع معدلات البطالة والفقر فتللك المشكلات ترتب أولويات الشاب لتصبح “البقاء والبحث عن دخل” بدلا من التفكير في التغيير السياسي؛ وهناك الشعور باللاعدالة الاجتماعية بانتشار المحسوبية، والفساد المالي والإداري، وغياب سيادة القانون، مما يقنع المواطن أن النظام يخدم طبقة معينة فقط.

ومن الأسباب الهامة أيضا لابتعاد الشباب عن الممارسة السياسية وصناديق الاقتراع ان وجدت الجذور الثقافية والتكنولوجية وتغير نمط الحياة والمشاركة (الفجوة الجيلية)، اذ لم يعد الشباب ينجذبون للخطابات الأيديولوجية أو الهياكل التقليدية الصارمة، بل يفضلون المشاركة المرنة والمباشرة.

 

 

ان وسائل التواصل الاجتماعي برغم أنها تزيد الوعي، إلا أنها تغذي أحيانا حالات “السخط الرقمي” و”الغضب العارم” من دون توفير مسارات عمل تنفيذي واقعي، مما يتسبب في إحباط سريع (السلبية الرقمية).

ان تداعيات العزوف والازدراء على الدولة والمجتمع تتسبب في تفريغ الديمقراطية من مضمونها بانخفاض نسب المشاركة في الانتخابات فيضعف ذلك الشرعية الشعبية للحكومات والمؤسسات، يترافق ذلك مع مشكلة الهجرة ونزيف عقول الشباب اذ ان شعور الشباب بالعدمية وتهميشهم يدفع أصحاب الكفاءات للبحث عن بدائل خارج الوطن. ومن التداعيات أيضا   صعود “الشعبوية” أو التطرف، فعندما يفقد المواطن ثقته بالنظام السياسي التقليدي، يصبح أرضا خصبة للأفكار الشعبوية أو التوجهات المتطرفة كبديل عن “النظام الفاسد”.

 

آليات التغيير ووسائل العلاج

 

لإعادة بناء الثقة ومعالجة الاغتراب السياسي، يتطلب الأمر حزمة متكاملة من الإصلاحات في طليعتها الإصلاح الهيكلي والسياسي بتحديث قوانين الأحزاب والانتخابات وذلك بوضع أطر تشريعية تضمن عدالة المنافسة وتفرض حصصا تمثيلية حقيقية (الكوتات) للشباب والنساء في مراكز صنع القرار، و تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد باستقلالية القضاء وتفعيل أجهزة الرقابة لإعادة الثقة بتواجد قانون يسري على الجميع، و تمكين الشباب والتربية المدينية بدمجها في المناهج التعليمية: تعزيز مفاهيم المواطنة والنأي عن الاطروحات الايديولوجية والعقائدية، وتعزيز المطالبة بالحقوق والواجبات، وآليات المساءلة الشعبية منذ المراحل التعليمية الأولى.

  ويتوجب دعم المجالس البلدية والمحلية بإتاحة الفرصة للشباب للمشاركة في إدارة الشأن المحلي (البلديات)، لأنها النواة الأولى والأقرب لمس حياة المواطن اليومية. ويجب استيعاب أشكال المشاركة الحديثة، وفي صلبها الديمقراطية الرقمية (Digital Democracy) بإيجاد منصات حكومية رسمية للمشاركة والتصويت على القرارات والمبادرات المحلية عبر الإنترنت، و  فتح المساحات للمجتمع المدني عن طريق دعم المبادرات الحرة والمؤسسات غير الحكومية للعمل على قضايا ضاغطة كالبيئة، وحقوق الإنسان، والتنمية المحلية كمدخل بديل ومؤثر للمشاركة السياسية.

أن تهيئة البعد النفسي للشباب بصورة إيجابية لها دور مفصلي في حث لشباب على المشاركة في الانتخابات وعموم العملية السياسية، وان البدء بالبعد الاجتماعي والنفسي يمسّ الأصل في المشكلة؛ إذ إن المعالجات القانونية والهيكلية تفقد أثرها تماما إذا كانت الذات الفاعلة (وهي الشباب) ترزح تحت وطأة الإحباط، والشعور بالدونيات المؤسسية، والعزلة النفسية عن الشأن العام.

 

 

عندما يتغير المنظور النفسي للشاب من “ضحية لنظام قائم” إلى “فاعل يملك أدوات التأثير”، تتحول الانتخابات والعملية السياسية من مجرد طقس شكلي إلى أداة تغيير مجدية.

فيما يأتي تحليل ودراسة لكيفية تهيئة الشباب اجتماعيا ونفسيا لإعادة إدماجهم في الحياة السياسية، أولا: التفكيك النفسي والاجتماعي لحالة العزوف قبل البناء الإيجابي، اذ لا بد من فهم العقبات النفسية والاجتماعية التي تصيب الشباب بالحيدة والازدراء:   تتمثل المعضلة في متلازمة العجز المكتسب (Learned Helplessness)،    بتكرار تجارب الإحباط (عدم استجابة المسؤولين، أو نكث الوعود الانتخابية) يولد لدى الشاب قناعة نفسية عميقة بأن “لا شيء سيتغير مهما فعلت”، فيصبح العزوف حيلة دفاعية لحماية الذات من خيبة أمل جديدة. كما ان هناك   أزمة المعنى والانتماء اذ يشعر كثير من الشباب أن المنظومة السياسية الحالية تتحدث بلغة لا تشبههم، وتطرح قضايا لا تمس واقعهم اليومي، مما يولد انقطاعا في الرابط الوجداني بين المواطن والدولة، فنتج عن ذك الضغط الاجتماعي وتطبيع “الازدراء”، بتحول الحديث السلبي عن السياسة إلى “ثقافة عامة” في المجالس والمنصات الرقمية، اذ يجري وصم الشاب المهتم بالسياسة أحيانا بـ “السطحية” أو “السذاجة”، مما يدفع الفرد لمجاراة المجموع والانسحاب.

ان خطة التهيئة النفسية والاجتماعية لإعادة الفاعلية تكمن في العمل لتحويل هذه الطاقة السلبية إلى مشاركة إيجابية، والعمل على عدة محاور أساسية من ذلك تعزيز الفاعلية الذاتية والانتقال من “السياسة الكبرى” إلى “المحليات”، اذ يبدأ الشاب بشعور الأثر عندما يرى مشاركته تُحدث تغييرا في حيه، أو جامعته، أو بلديته. النجاحات الصغيرة في الشأن العام المحلي تبني ثقة نفسية في قدرته على التأثير السياسي الأكبر.

  ويتوجب إبراز قدوات نموذجية بتسليط الضوء على نماذج شابة استطاعت عبر وسائل سلمية مدنية أو سياسية فرض تغيير ملموس، لتفكيك وهم “استحالة التغيير”. ومن الضروري إعادة بناء الثقة المؤسسية والاجتماعية عن طريق   المكاشفة والحوار غير المشروط وخلق مساحات آمنة للمناظرات والحوارات بين الشباب وصناع القرار من دون إملاءات أو خطابات تمثيلية. الشاب يحتاج أن يُسمَع ويُحترم رأيه ليحترِم المنظومة، ويتوجب اللجوء الى   العدالة التفاضلية والاحترام بمعالجة نظرة الأجيال الأكبر للشباب على أنهم “قليلو الخبرة”، والاستعاضة عنها بالشراكة الفعالة.

ومن الضروري إعادة تعريف المشاركة السياسية بتوسيع مفهوم المشاركة لإفهام الشباب أن المشاركة السياسية ليست محصورة في “صندوق الاقتراع” أو الانتماء لحزب، بل تبدأ من العمل التطوعي، الضغط البيئي، المبادرات الرقمية، والرقابة المجتمعية. الانتخاب هو التتويج لهذه المسارات. ومن الصحيح أيضا ربط السياسة بالحياة اليومية بتقديم السياسة ليس كصراع أيديولوجي عقائدي، بل كفرص عمل، وجودة تعليم، وخدمات صحية، وحرية تعبير. عندما يدرك الشاب أن مقاطعة الانتخابات تعني ترك الآخرين يقررون مستقبل هذه الخدمات بدلا منه، يتغير دافعه النفسي.

من الواجب لإعداد النفسي لمواجهة الإحباط وذلك بالتربية على التفكير النقدي وتدريب الشباب على التمييز بين الأمل الواقعي والتفاؤل السطحي، بحيث يدرك أن التغيير السياسي مسار تراكمي طويل الأجل وليس “ضربة زر”، و   تحويل الغضب السلبي إلى فاعلية مدنية، اذ ان الغضب والسخط مشاعر تلقائية، والهدف النفسي ليس قمعها، بل إعادة توجيهها من “التذمر الرقمي” إلى “التنظيم والمشاركة”.

 

دور المؤسسات في تهيئة الشباب

 

لا يمكن تحقيق التهيئة النفسية من دون مشاركة أجهزة التنشئة الاجتماعية، فالأسرة تقوم بتشجيع الحوار السياسي المفتوح في داخل المنزل وإعطاء الأبناء حرية التعبير من دون تخويف أو تحقير لآرائهم، والمؤسسات التعليمية تنفذ عملية إجراء انتخابات اتحادات الطلبة بنزاهة واقعية لتكون “مختبرا نفسيا وشكليا” للممارسة الديمقراطية.  والإعلام والمنصات الاعلامية يجب ان تتوقف عن شيطنة العمل السياسي الشبابي، واستبدال خطاب الإحباط بخطاب يسلط الضوء على الفرص ووسائل التأثير. ومنظمات المجتمع المدني بتقديم ورش عمل وتدريبات تشييد المهارات كالقيادة، والتفاوض، وإدارة الحملات لبناء شخصية الشاب القيادية. وهنا يحق التساؤل اين تكمن الخطوة الأولى الأكثر إلحاحا للبدء بهذه التهيئة النفسية في واقعنا الحالي: هل هي عبر المبادرات الشبابية الذاتية، أم عبر المؤسسات التعليمية والإعلامية؟

ان المبادرات الذاتية الشبابية متواجدة وهي تأخذ أشكالا عدة من ذلك الاحتجاجات المطلبية التي تطالب بالتعيين وتلبية الحقوق، وبالتأكيد فإن ذلك في حال تنفيذه يشكل دافعا قويا للشباب للاشتراك بنشاط في الممارسات المجتمعية السياسية ومن ذلك الترشح والاشتراك في التصويت في الانتخابات، كما أن على المؤسسات التعليمية أن تفرد دروسا مبسطة في مجال التعليم لإبراز دور الفرد في صياغة نظامه السياسي وتحقيق الاستقرار في بلده ومجتمعه، كما أن على وسائل الإعلام المتنوعة أن تدير الحوارات المهنية المنتجة بشأن ضرورة مشاركة الشعب لاسيما الشباب في العمل السياسي والانتخابات لما يمثله ذلك من أهمية في ضمان الحكم الرشيد ومستقبل الأجيال، بدلا من الحوارات العقيمة المتشنجة والتلاسن غير المسوغ، هنا   تلتقي الرؤية الاستراتيجية مع الواقع الملموس.

ان المبادرات الشبابية الذاتية وعلى رأسها الاحتجاجات المطلبية والاحتجاجات المعيشية، هي نتاج اعتيادي لاحتياجات إنسانية أساسية. وعندما تستجيب الدولة أو المؤسسات لتلك المطالب كالتعيين وتوفير سبل العيش الكريم، فإنها لا تقدم مجرد “خدمة اقتصادية”، بل تقدم مفتاحا نفسيا وسياسيا جبارا لإعادة دمج الشباب في الثقة بالنظام وتحويلهم من حالة “الاحتجاج للبقاء” إلى حالة “المشاركة للبناء”.

ويمكن تلخيص مسار التحول والتكامل المنشود في النقاط العملية الآتية: تحويل “الاحتجاج المطلبي” إلى “شراكة مؤسسية”، و   الربط بين الحقوق والواجبات، اذ إن تلبية الحقوق الأساسية للشباب مثل العمل، والأمان المعيشي، والعدالة، تزيل حاجز الخوف والإحباط، وتجعل الشاب يشعر أنه ” شريك حقيقي في الوطن” لا مجرد عابر سبيل فيه، مما ينعكس إيجابيا على اندفاعه للمشاركة في الانتخابات وصنع القرار.

  ومن الضروري الانتقال من رد الفعل إلى الفعل فالاحتجاجات المطلبية وسيلة ضغط مشروعة ومهمة، ولكن تكاملها مع أدوات التغيير المؤسسي كالترشح للانتخابات البرلمانية والمحلية، والانخراط في الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني يضمن ديمومة التأثير وتحويل المطالب الفئوية إلى سياسات عامة.

وللمؤسسات التعليمية دور كبير في بناء “الوعي المبدئي” وذلك بإدخال مفاهيم التربية السياسية المدنية المبسطة في المناهج فهي ليست ترفا فكريا، بل هو تلقيح وقائي ضد اليأس السياسي. عندما يفهم الطالب منذ نعومة أظفاره كيف أن صوته الفردي، ثم الجمعي، يسهم في بناء استقرار بلده وحمايته من الانهيار، فإنه ينشأ وهو يدرك مبكرا أن الانتخابات ليست “لعبة الآخرين”، بل هي مسؤوليته الشخصية الأولى.

ويجب احداث ثورة إعلامية نحو “المهنية والإنتاجية”   نتيجة موت الحوارات المتشنجة فلقد عانى الشباب طويلا من مشاهدة النخب الإعلامية وهي تتبادل الاتجاهات العقيمة والتلاسن السلبي، وهو ما كان يُغذي لديهم شعورا بالاشمئزاز والازدراء تجاه الشأن السياسي برمته. المطلوب إعلاميا هو الانتقال إلى “صحافة الحلول” والنقاشات الهادئة التي تبين بالأرقام والأمثلة الحية كيف تسهم مشاركة الشباب في تحقيق الحكم الرشيد، ومحاربة الفساد، وتأمين مستقبل الأجيال المقبلة.

إن هذا التقاطع المنسجم بين المبادرات الذاتية الشبابية النابضة بالحياة، والتعليم الواعي، والإعلام المهني البنّاء يمثل الوصفة السحرية والعملية لكسر حواجز “الاغتراب والازدراء السياسي”.

لكي تكون الأنظمة السياسية ممثلا حقيقيا للمجتمع، يجب إشراك جميع أجزاء المجتمع. وعندما يكون الشباب محرومين من حقوقهم أو منفصلين عن العملية السياسية، يصبح جزء كبير من السكان لا صوت أو تأثير يذكر له في القرارات الحكومية. والنتيجة الرئيسة هي تقويض السياسة والأنظمة التمثيلية. ولإحداث فرق على المدى الطويل من الضروري أن يشارك الشباب في السياسة الرسمية ويكون لهم رأي في صياغة سياسات اليوم والغد. إن المشاركة السياسية الشاملة ليست مجرد نهج ديمقراطي، ولكنها أيضا أمر بالغ الأهمية لبناء مجتمعات مستقرة وسلمية وتطوير السياسات التي تستجيب للاحتياجات المحددة لأجيال الشباب. ولكي يجري تمثيل الشباب بشكل مناسب في السياسة والمؤسسات والعملية السياسية وصنع القرار، وبخاصة في الانتخابات، فيجب أن يعرفوا حقوقهم ويحصلوا عليها، وأن يحصلوا على المعرفة والقدرات المطلوبة للمشاركة بطريقة ذات معنى على المستويات كافة.

 

 

قد يعجبك ايضا
∧