سعد محمد عبدالله
تشهد العلاقات بين السودان والقرن الأفريقي ومنطقة الساحل والصحراء تحولات متشابكة وشائكة، تتداخل فيها الحسابات الدولية والنزاعات المحلية المدعومة من داخل أفريقيا وخارجها، وما أفرزته من تحديات إقتصادية وإنسانية، وفي هذا المشهد، تبرز الأهمية الدبلوماسية لمشاركة الوفد السوداني، برئاسة الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الإنتقالي، في القمة الروسية الأفريقية بموسكو؛ إذ تتيح هذه المشاركة للخرطوم عرض أولوياتها وبحث فرص التعاون السياسي والإقتصادي مع الجانب الروسي والمشاركين من مختلف دول أفريقيا، ويمكن للعلاقات مع روسيا أن تفتح مجالات للتعاون في الطاقة والتعدين والزراعة والبنية التحتية والتعليم والصحة، فضلًا عن تبادل الخبرات وإعادة الإعمار؛ لكن قيمة هذه الشراكات تظل مرتبطة بوضوح المصالح المتبادلة وقدرتها على تحسين حياة المواطنين، وبمدى قابليتها للتطوير بما يسهم في صناعة أرضية لمستقبل مشترك؛ كما يتطلب تنويع العلاقات الخارجية التأكيد على الشراكة الإستراتيجية، مع صون إستقلال القرار الوطني وموازنة المواقف وفقًا للإحتياجات الفعلية للسودان، ولا ينبغي أن تحجب اللقاءات الرسمية الأولوية الملحّة المتمثلة في حسم الحرب، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، وإستعادة الخدمات الأساسية؛ فالدبلوماسية الفاعلة لا تُقاس بعدد الإجتماعات والبيانات والإتفاقيات، بل بقدرتها على تحويل التفاهمات إلى خطوات ملموسة تدعم السلام والإستقرار والتنمية المستدامة، وتفتح الطريق أمام تسوية سياسية شاملة تعيد بناء الدولة على أسس المواطنة والعدالة والمشاركة الديمقراطية، وتسهم في تخفيف معاناة النازحين واللاجئين.
يأتي اللقاء بين وزيري الخارجية السوداني والتشادي في موسكو في ظل حاجة البلدين إلى إدارة علاقاتهما عبر حوار منتظم قائم على المنطق والحقائق المجردة، بالنظر إلى الحدود المشتركة والروابط الإجتماعية والثقافية والإقتصادية وتشابك التحديات الأمنية؛ فاستقرار السودان وتشاد يتأثر بحركة السكان والتجارة والأسلحة والمقاتلين عبر المناطق الحدودية؛ ولذلك، لا تكفي المجاملات الدبلوماسية لمعالجة المخاوف المتبادلة، بل المطلوب حوار موضوعي يفضي إلى تفاهمات جادة وقابلة للتنفيذ، تحترم سيادة الدول، وتؤكد عدم التدخل في شؤونها الداخلية، وتؤسس لتبادل المعلومات والتنسيق بشأن أمن الحدود ومكافحة التهريب والجريمة المنظمة، وتمتد هذه الضرورة إلى إقليم تيبستي التشادي، حيث تكشف المواجهات المرتبطة بالتنافس على الذهب والموارد عن صلة وثيقة بين الإقتصاد غير المنظم والعنف المسلح وضعف حضور المؤسسات في المشهد الوطني، وقد تنتقل آثار هذه الإضطرابات إلى السودان وليبيا والنيجر عبر إستغلال المساحات الجغرافية المفتوحة وطرق تهريب الأسلحة والتجارة غير المشروعة؛ وهنا، ينبغي الجمع بين إجراءات أمنية منضبطة وسياسات تنمية محلية تعيد الإعتبار إلى إقتصاد الريف الواسع، وفق خطة وسياسة جديدتين تشملان تنظيم التعدين، وتوفير فرص العمل، وتحسين الخدمات، وإشراك المجتمعات المحلية في جميع مراحل إدارة الموارد؛ فالتعاون الحدودي المستدام يحمي المدنيين ويحد من النزاعات عندما يستند إلى القانون والثقة والمصالح المشتركة، وفي الوقت نفسه، يستدعي الأمر تنسيقًا إنسانيًا رسميًا مستمرًا لحماية اللاجئين والنازحين، ومنع إستغلال معاناتهم في النزاعات أو توظيفهم في أنشطة غير قانونية.
تواجه منطقة الساحل تطورات مقلقة تعكس حجم المخاطر المترتبة على التصعيد بين الدول المختلفة، خصوصًا مع تداول إتهامات بشأن غارات بطائرات مسيّرة تضرب هنا وهناك، وسقوط ضحايا مدنيين، وفي مثل هذه الوقائع، تظل الحاجة قائمة إلى فتح تحقيق مستقل وشفاف يحدد المسؤوليات إستنادًا إلى الأدلة المرصودة، بدلًا من الإكتفاء بالروايات الأحادية أو المتعارضة، والإنجرار إلى ردود فعل قد توسّع دائرة المواجهة؛ وهنا، يطرح قرار البرلمان الجزائري السماح بنشر قوات عسكرية في النيجر أسئلة مهمة بشأن طبيعة التنسيق الأمني بين الحكومتين، وحدود إستخدام القوة، وضمان إحترام السيادة وإرادة الشعبين النيجري والجزائري، وهذه المسألة ليست معزولة عن المشهد الإقليمي أو محصورة في سياق محلي، بل تُعد من القضايا الحساسة التي تشغل الرأي العام الأفريقي؛ فمكافحة الجماعات المسلحة وحماية منشآت الطاقة والتعدين ومواقع أخرى لا يمكن فصلهما عن الحوار السياسي والتنمية ومعالجة التهميش ضمن حلول شاملة، والآن، تحتاج دول المنطقة إلى أطر إقليمية موثوقة لتسوية الخلافات، وتبادل المعلومات، ومراقبة الحدود، وحماية المدنيين، مع إخضاع أي تحركات عسكرية للقانون والإتفاقيات المعمول بها؛ أما الشراكات الروسية الأفريقية وغيرها، فمن المهم تقييمها وفق نتائجها العملية في التجارة والإستثمار والأمن الغذائي والدوائي وبناء القدرات، لا وفق الخطاب السياسي وحده، ولا يتعارض ذلك مع تنويع العلاقات الدولية وإتاحة فرص إضافية للدول، لكنه لا يغني عن بناء مؤسسات إقليمية قوية والبحث عن قرار أفريقي مستقل يضمن نشر نتائج التحقيقات المتعلقة بالأحداث الجارية أمام الرأي العام، وتعويض المتضررين، وإستلهام الإرث الثقافي لبناء نموذج جديد للسلام والعدالة والإستقرار السياسي والإجتماعي.
أما السودان، فإن موقعه الجغرافي وصلاته بدول القرن الأفريقي ومنطقة الساحل والصحراء يجعلان أمنه الوطني مرتبطًا بصورة مباشرة باستقرار محيطه الإقليمي الواسع، ويؤكد ذلك أهمية التعامل مع التطورات الأمنية الأخيرة بجدية، والتنسيق مع قوة شرق أفريقيا الإحتياطية والمنظمات الأفريقية، بما يساعد على دعم المساعي السلمية، ومواجهة الجريمة العابرة للحدود، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية؛ كما أن المطالبة بإعادة تأهيل الدفاع المدني تذكّر بحجم الإحتياجات الناجمة عن الحرب، وبضرورة توفير المعدات والتدريب وأنظمة الإنذار والإستجابة للطوارئ، وحماية الأرواح والمرافق الحيوية التي تتعرض، وفقًا لما يورده الإعلام السوداني والدولي، للإستهداف المستمر من قبل مليشيا الدعم السريع وحلفائها داخل السودان وخارجه؛ غير أن مثل هذه الخطوات، مهما بلغت أهميتها، لن تعالج جذور الأزمة ما لم تترافق مع وقف القتال وفق رؤية سودانية واضحة تضع حماية المدنيين وفتح ممرات آمنة للإغاثة في مقدمة الأولويات، إلى جانب التوافق على آليات لإخراج المليشيات من المناطق السكنية، وبحث حلول للأزمة عبر حوار سوداني شامل لا يستثني القوى المدنية والإجتماعية الحية، ويتطلب بناء دولة مستقرة توحيد المؤسسات المدنية والعسكرية على أسس مهنية وقانونية، وصيانة الحريات والتعددية، والإتفاق على ترتيبات دستورية تقود إلى إنتقال سياسي ذي شرعية شعبية؛ فالسلام ليس ملفًا منفصلًا عن التنمية، كما أن الأمن لا يستدام بالقوة وحدها، فكلاهما يحتاج إلى العدالة في توزيع الموارد، والمحاسبة القانونية، والثقة المجتمعية؛ ومن هنا، ينبغي أن تتحول الدبلوماسية الإقليمية إلى رافعة للتعافي، وأن يجري التعامل مع الأوضاع بمسؤولية وشفافية وتنسيق، بعيدًا عن التنافس على النفوذ وفرض السيطرة بقوة السلاح.