نبيل عبد الأمير الربيعي
ليست المدنية صفة يكتسبها الإنسان بمجرد انتمائه إلى تيار فكري أو سياسي، ولا هي نقيض للدين بالضرورة، كما لا تختزل في العلمانية أو الشعارات الحزبية. إنها مفهوم تتداخل فيه طبيعة الدولة ومصدر السلطة مع منظومة الحقوق والحريات والمساواة. ومن هنا، فإن فهم المدنية في العراق يقتضي التمييز بين بعدها السياسي المتعلق بشرعية السلطة وتنظيمها، وبعدها الحقوقي المتعلق بالمواطنة المتساوية واحترام القانون.
تعود جذور المدنية إلى الفكر اليوناني، ولا سيما أرسطو الذي وصف الإنسان بأنه (حيوان سياسي بالطبع)، فيما ربط الفارابي في (المدينة الفاضلة) و(السياسة المدنية) كمال الإنسان بالتعاون داخل الجماعة. لكن الانتماء إلى المدينة قديماً لم يكن يعني المساواة بين البشر؛ فقد استبعدت فئات واسعة من الحقوق السياسية. وقد تطورت المواطنة الحديثة عبر صراعات طويلة ضد الامتيازات واحتكار السلطة. ومثلت الماغنا كارتا عام 1215 محطة في تقييد بعض صلاحيات الملك الإنجليزي، قبل أن تتوسع المشاركة السياسية تدريجياً. ثم جاء روسو ليعيد طرح سؤال الشرعية السياسية، مؤكداً في (العقد الاجتماعي) أهمية الإرادة العامة في تأسيس السلطة. وهكذا انتقل النقاش من مجرد الانتماء إلى الجماعة السياسية إلى طبيعة الحقوق التي يتمتع بها أفرادها.
أما في الفكر العربي الحديث، برزت قضايا المدنية والتمدن مع الاحتكاك بأوروبا، لدى الطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده وغيرهم. ثم أثار علي عبد الرازق، في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) عام 1925، جدلاً حول طبيعة الخلافة وعلاقة الدين بالدولة. ومع ذلك، لا يصح نقل التقابل الغربي بين المدني والديني إلى التجربة الإسلامية بصورة آلية؛ لاختلاف السياقات التاريخية والمؤسسية. فالمسألة ليست إقصاء الدين من المجتمع، بل تحديد طبيعة السلطة وضمان عدم احتكارها باسم الدين أو المذهب أو أي مرجعية أخرى.
لا يمكن فهم إشكالية المدنية في العراق بمعزل عن تاريخ الدولة الحديثة، وتعاقب الأنظمة السلطوية والانقلابات والحروب، وما رافقها من صراعات على السلطة والهوية والموارد. فالعراق مجتمع متنوع دينياً ومذهبياً وقومياً وثقافياً، تتداخل فيه الهوية الوطنية مع الانتماءات العشائرية والمناطقية والدينية. وهذه الروابط ليست عائقاً بذاتها أمام المواطنة، لكنها تتحول إلى مشكلة حين تستخدم لتوزيع النفوذ والامتيازات أو لتبرير الإقصاء.
بعد عام 2003، اتسعت المشاركة السياسية والتعددية الانتخابية، لكن أزمات المحاصصة وضعف المؤسسات والفساد وتداخل النفوذ الحزبي مع أجهزة الدولة، إلى جانب وجود قوى مسلحة خارج السيطرة الحكومية الكاملة، كشفت عن عمق التحديات التي تواجه بناء الدولة. لذلك، لا تمثل المدنية في العراق نقاشاً فلسفياً مجرداً، بل قضية تتصل بطبيعة الدولة: هل هي مؤسسة عامة لجميع المواطنين، أم مجال لتقاسم النفوذ بين القوى السياسية؟ وهل تدار الاختلافات بالقانون والمؤسسات، أم بموازين القوة والانتماءات الفرعية؟ لذلك لا يتحقق بناء الدولة المدنية بالشعارات، بل باستقلال القضاء، ومكافحة الفساد، وضمان التداول السلمي للسلطة، وإخضاع السلاح للقانون، وتحقيق المساواة في الحقوق والواجبات.
كما لا تنحصر المدنية في شكل النظام السياسي؛ فهي تتطلب أيضاً ثقافة اجتماعية تحترم الاختلاف وتقبل التعدد. ولا يعني ذلك إلغاء الروابط الدينية والعشائرية والقومية، بل تنظيمها بحيث لا تتحول إلى بديل عن القانون أو أساس للتمييز. فقد تؤدي العشيرة دوراً في التكافل الاجتماعي، لكن ذلك لا ينبغي أن ينتقص من سلطة القضاء. وقد يشكل الدين مرجعية أخلاقية للفرد، لكنه لا يجوز أن يكون سبباً لتفاوت الحقوق السياسية والمدنية.
من هنا، تحتاج المدنية العراقية إلى تعزيز ثقافة المواطنة، واحترام حرية الاعتقاد والتعبير، وتوسيع مشاركة النساء والشباب، ودعم النقابات والجامعات ومنظمات المجتمع المدني. فالدولة المدنية لا تقوم بالدستور وحده، بل تحتاج إلى مجتمع يؤمن بأن الاختلاف حق، وأن القانون إطار مشترك للجميع.
أما الخطاب السياسي العراقي فيضع المدنية أحياناً في مقابل الإسلام السياسي أو الطائفية أو العسكرة. لكن هذه التقابلات لا تكفي للحكم على الأفراد والجماعات. فهل يكون الإسلامي غير مدني لمجرد مرجعيته الدينية، إذا كان يؤمن بدولة القانون والمساواة والتداول السلمي للسلطة؟ وهل يصبح العلماني مدنياً تلقائياً، إذا كان يؤيد الاستبداد أو الحكم العسكري أو امتلاك السلاح خارج الدولة؟
إن المرجعية الفكرية لا تحدد وحدها طبيعة الموقف السياسي. فقد يستند العلماني إلى الحرية والسيادة الشعبية في رفض احتكار السلطة، بينما يستند الإسلامي إلى فهم معين للنصوص الدينية، ويلتقي الاثنان في الدفاع عن المبادئ نفسها. وقد يحدث العكس أيضاً. وهنا ينبغي التمييز بين الأسس الفلسفية والمعرفية التي ينطلق منها الأفراد، وبين المبادئ السياسية والحقوقية التي يلتزمون بها في المجال العام. وتواجه المدنية العراقية ثلاث مشكلات أساسية: تحولها إلى هوية حزبية مغلقة، وادعاء بعض المنتسبين إليها، منها: التفوق الأخلاقي والمعرفي، واختزالها في معاداة الدين. فالمدنية لا تثبت بالشعارات، بل باحترام المختلف، ورفض التمييز، وقبول المحاسبة، والالتزام بالقانون.
لا يحتاج العراق إلى تعريف مغلق للمدنية يحتكرها تيار بعينه، بل إلى معايير واضحة تختبر بها المواقف والممارسات. فعند مناقشة السلطة، يكون المعيار رفض احتكارها؛ وعند مناقشة السلاح، يكون المعيار إخضاعه للدولة؛ وعند مناقشة الحقوق، تكون المساواة والحريات وعدم التمييز هي الأساس.
إن المدنية، بهذا المعنى، ليست هوية جاهزة، بل مشروع وطني يعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة، ويحرر المؤسسات من الولاءات الضيقة، ويضمن عدالة توزيع الفرص والموارد، ويحمي التنوع من دون تحويله إلى مبرر للتجزئة.